ضحكت، عبالي ديتشاقة، بس هو ما ضحك، ومن ذاك اليوم صارت عادة… كل يوم 27 من الشهر، من ينزل الراتب، أحوّل لأبويه 50 ألف دينار، وأكتب بالملاحظة: «حگ التربية».
وهو يرد كل مرة بنفس العبارة:
— وصلت، الله يرزقك ويحفظك.
ولا مرة زاد عليها كلمة.
حوّلتله من چنت عزابي، وحوّلتله من تزوجت، وحتى بأشهر الزواج الأولى، والديون فوگ راسي والمصاريف ما تخلص.
وحوّلتله بالشهر اللي انولد بيه ابني، رغم إنّه ما بقى براتبي غير 75 ألف دينار.
مرتي چانت تكلي:
— عمي متقاعد وعنده بيت وراتب، شيسوي بالـ50 ألف كل شهر؟
وأصدقائي يضحكون ويگولون:
— أبوك مسويلك ضريبة شهرية لو شنو؟
وأني أضحك وأگول:
— أبويه هيچ طبعه، شنسوي وياه!
مرّة تأخرت عليه يوم واحد، وبالساعة 7 الصبح اتصل بيّ:
— ها ابني، هو ماكو شي؟ عسى ما شر؟
حوّلتله الفلوس، وگعدت أضحك بيني وبين نفسي:
«والله أبويه أدق من المصرف بمواعيد التحويلات!»
ومرّت السنين، سنة ورا سنة… لحد ما كملت 12 سنة على هالسالفة.
بس محد يدري شنو مخبّي إلنا باچر.
قبل 3 أشهر، الشركة اللي أشتغل بيها بطلوني!
انصدمت، وضعت، وما عرفت شلون أتصرف. ما گلت لأحد، حتى مرتي ما كلتلها.
كل يوم ألبس وأطلع من البيت الساعة 7 الصبح، مثل كل يوم دوام. أروح أگعد بسيارتي يم كوفي، وأبقى للظهر، وبعدين أرجع للبيت وكأني راجع من الشغل.
چنت خايف… مو بس من المصاريف والديون، چنت خايف من اللحظة اللي أضطر بيها أگول لأهلي إنّي ما عندي شغل.
گال:
— من أول راتب استلمته، آني چنت أحط 250 ألف دينار كل شهر على صفحة.
وكمل:
— گلت يمكن يجي يوم تصيرلك مشكلة بيه، أو تحتاج بيه أحد، وما تحب تحچي. فگلت أخليلك شي يفيدك بذاك اليوم.
گتله ودموعي بدت تنزل:
— يابه، شلون عرفت إنّي ما عندي شغل؟
گال:
— ابني، 12 سنة كل يوم 27 تحوّل إليّ، وما تأخرت غير مرة وحدة. هالشهر ما وصلت الحوالة، وعرفت أكو شي مو طبيعي. أني أبوك، أعرفك من نبرة صوتك قبل لا تحچي.
بهاللحظة، ما گدرت أتحمل.
نزلت راسي وبچيت مثل الطفل.
أبويه قرّب مني، وحط إيده على چتفي وگال:
— ابني، الـ50 ألف آني ما چنت محتاجهن. ولا آني جنت أريد فلوسك، ولا جنت أريد أثقل عليك.
سكت شوية، وبعدين گال الجملة اللي مستحيل أنساها طول عمري:
— آني چنت أريد أعرف كل شهر إنّك بخير، من دون لا أسألك وتگلي: تمام يابه، وإنت من داخلك مو تمام.
والله يا جماعة، بهاي اللحظة حسّيت إنّي طول هالسنين چنت أحسب نفسي دا انطي لأبويه، بس بالحقيقة هو اللي چان دا ينطيني…
ينطيني درس بالعطاء، ودرس بالأبوة، ودرس بالمحبة اللي ما تحتاج كلام.
بعد شهرين، الله كرمني وحصلت شغل جديد.
وأول يوم 27 من الشهر، حوّلت لأبويه 50 ألف دينار، وكتبت بالملاحظة:
هل تساءلت يومًا لماذا ذكر إبليس الشكر حين توعّد بإغواء بني آدم فقال:
﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾؟
من مداخل الشيطان أن يُنسي الإنسان نعم الله عليه، فيغفل عن السمع والبصر والفؤاد، وعن نعم كثيرة اعتاد وجودها حتى لم يعد ينتبه إليها.
ويزيّن له الطمع والتطلع الدائم إلى ما لا يملك، حتى يستغرق في ملاحظة ما ينقصه، ويغيب عنه ما بين يديه؛ فيضعف رضاه، وقد يقع في دوامة السخط والتذمر وكفران النعمة.
💡 الشكر من أسباب الثبات ومقاومة مداخل الشيطان؛ أن تعرف نعمة الله، وتحمده عليها، وتستعملها في طاعته.
وقد قال النبي ﷺ في شأن المؤمن:
«إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له».