ما من إنسان إلا أودع الله فيه مواطن قوة، وخصائص تميز، واستعدادات قد لا تجتمع لغيره بالصورة نفسها؛ غير أن مأساة هذا الإنسان أنه قد يمضي عمره مفتشًا عن قيمته في مرايا الآخرين، مستعيرًا مقاييسهم في التفاضل، متطلعًا إلى مواطن قوة أُوتوها ولم تُؤتَ له، حتى يستهلك نفسه في محاولة امتلاك ما ليس من طبيعته، ويغفل عما أُودع فيه من كنوز لم تمتد إليها يد اكتشافه بعد. وهكذا يبدد ما يملكه في مطاردة ما يفتقده، ويهمل زراعة أرضه لأنها لا تشبه أرض غيره، فلا هو بلغ ما طلب، ولا هو أثمر بما امتلك. إن من أعمق وجوه الغفلة أن يظل المرء يفتش في نفسه عن نسخة من أناس آخرين، فيحسب اختلافه عنهم نقصًا فيه، مع أن هذا الاختلاف قد يكون عين ما يميزه، وأن ما يراه عيبًا في ميزان المقارنة قد يكون سر قوته في ميزان التفرد. وليس النضج أن تجمع في ذاتك كل أسباب التميز، بل أن تعرف أيها أُوتيت، وأيها لم تُؤتَ، فتستثمر الأول دون أن تستنزف روحك في استجداء الثاني؛ فلكل إنسان بذرة خاصة التي لا تنبت إلا في تربته، ومفتاحه الذي لا يفتح إلا بابه، ومن الظلم للنفس أن نحاكمها إلى ثمار غيرنا، ثم نلومها لأنها لم تُنبت ما لم يخلق لها ولم يُودَع فيها. ولهذا، فإن أعظم خسارة للإنسان ليست أن يفتقد بعض أسباب القوة، بل أن يجهل ما يملك منها؛ فيمضي عمره يطلب من الحياة أن تمنحه ما لم يكن ينقصه بقدر ما كان ينقصه أن يعرف نفسه.
هناك صوتٌ يتحدث إليك من داخلك باستمرار، وكلما أحسست بحاجة إلى اليقظة أو الاستنارة تحدث هذا الصوت إليك من داخلك. وأنت تعلم أنه يخلص لك ويصدقك القول، لكنك لا تستمع إليه، إنما يستمع إليه من يجيد الإصغاء إلى صوت الضمير بكل تواضع.
مهما حاولت أن تتفلسف بالكلمات أو أن تنمق الحروف؛ من أجل أن تخاطب عقلاً تطمع في أن تغير قناعاته، فإنك حتمًا لن تفلح، إذا كانت مشكلته -بكل بساطة- تنبع من قلبه، حيث المشاعر الغامضة والعمياء التي لا تتعقل بالضرورة، ولسوف تخسر تلك المحاولات كلها. ومرد ذلك إلى أن القلوب لا تتحرك بمنطق واضح، فضلاً عن أن القلب المحطم لا يستنهضه الجدل العقلي، ولا يلتفت إليه. بل ربما سخر ذلك القلب المجروح منك، سخر في باطنه أدبًا معك أو سخر علانية ودون مواربة، لأنه يرى كلمات المعافى إلى المبتلى نوع من الرفاهية كمن يجلس في مكان مريح وجميل وينصح شخصًا آخر يحترق بالنار بأن يكون هادئًا وفرحًا!
كان يؤلمه أن كل ما استطاع أن يمدكِ به من عونٍ لم يكن سوى ضوء شحيح ألقاه على أطراف ليلكِ الطويل، لكن، كان في صدره من الإشفاق ما يفيض عن العبارة، حتى كأن فرط شعوره بكِ قد أثقل يده عن الامتداد؛ يخشى أن تقع مواساته على موضع الجرح، وأن تستدعي كلماته من وجعكِ ما آثرتِ أن تتركيه ساكنًا في الصمت. لقد كان يتهيب الاقتراب من حزن يسكن نفسًا مرهفة؛ فثمة أبواب في الروح لا تُفتح بقوة ولو كانت قوة المحبة، وثمة عتبات حتى أقرب الناس لا بُدَّ أن يقفوا عندها ولا يتجاوزوها، ولا يملكون حينها إلا الانتظار. ومن جرب معاناة الأرواح وانكسارات النفوس، علم جيدًا أن للقلب مرارته التي لا يعرف مذاقها سواه؛ وقد يرى الآخرون أثرها في العين، ويسمعون رجعها في الصوت، لكن شيئًا عميقًا منها لا يُرى ولا يُسمع يظل وحيدًا في أعماقه، لا تبلغ إليه يد. لهذا، وَقَفَ عند حافة حزنكِ، يحمل من الحنان أكثر مما يحسن أن يبذل، ويتمنى لو يعرف كيف يؤنس وحدتكِ من غير أن يقتحمها، تلك معضلة لا بُدَّ أن يذوقها من يتردد عند حدود غامضة في مجاهيل الأرواح ودروبها الصعبة نحو الاستشفاء.