امرأةٌ لا تشيخُ مهما شابَ الزمانُ.. هي بغداد،
شاهدةٌ على فصولِ الحروبِ وأوجاعِ الأحباب.
يعلو صوتُ المآذنِ في سمائها،
في عتمتِها.. يسري العابدونَ للمساجدِ خاشعين،
بينما يفيءُ الساهرونَ من صخبِ الليلِ مُتعبين.
تضيقُ الشوارعُ، لكنَّ قلبَها متسعٌ لكلِّ الغرباءِ،
إن ضعتَ يوماً عن روحِكَ.. فعد لبغداد.
رغمَ ظلمةِ الدروبِ، تشعُّ في الأعماقِ أنوارٌ
تحوّلُ كلَّ موحشٍ إلى ملحمةِ الجهاد.
هنا نهر الثقافةِ، شارعُ المتنبي يضجُّ بالكتبِ والألحان.
بغدادُ حريّةُ العراقِ من كلِّ القيودِ والأغلال،
تصرخُ بالحبِّ، وتثورُ في وجهِ الظلام.
ابنةُ دجلةَ أنا.. أخطُّ على الجدرانِ ملامحَ الذكرياتِ،
أغرسُ القصائدَ بينَ الشقوقِ، لتنمو لي زهوراً لا تذبل.
أوَ يُرحلُ عنكِ؟ أوَ مثلُ بغدادَ يُتْرَك؟
أنتِ الوطنُ الذي يسكنُ الأحشاءَ،
أنتِ بوصلتي، وقصيدتي التي ليس لها انتهاء .
في عتمة الضوضاء التي تملأ العالم، وفي زحام الأيام والأفكار، التقت أرواحٌ لم تجمعها الشوارع، بل جمعها شغف الكلمة وحسّ الحرف.
لقد نسج كتاب هذا العمل من شتات المشاعر لوحةً واحدة، وجسّدوا في "أصوات بين الزحام" تجربةً فريدة؛ كتابٌ واحد بأفئدة متعددة، تنساب بين صفحاته حكايات، وهسات، ورؤىً تخاطب قلب كل من أرهقه ضجيج الحياة.
أقعُ في حفرٍ كثيرةٍ هذه الأيام..
أهو هذا ما يسمّونه "عُمر الكبار" يا أمي؟
أفتقدُ خساراتي الصغيرة؛
ضياع لعبتي، أو انتهاء حلواي..
كانت أهون بكثيرٍ من "الشمس المدفونة تحت الأرض" التي أحملها الآن.
لمَ لم تخبريني يا أمي، أن الضياع لا يقتصرُ على زحام الأسواق؟
يمكنني أن أتيه وأنا بين أحضانكِ!
أن أكون ككتابٍ في مكتبةٍ، يحيطُ بي رفاقي،
لكنني لا أنتمي لهذا الرف.. لا أنتمي لهذا الضياع الذي يحملونه.
كبرتُ، شحبت ألواني، وأصبحتُ كبيرةً بما يكفي لضمّ همومي بين أضلعي،
لكنني لا زلتُ أهوي..
ولا زلتُ أحتاجُ يداً تمسكني، كوبَ قهوةٍ، وحضناً دافئاً يضمني.
إن الرياح التي تهب من الماضي لا تكف عن مرافقتنا، فمن رحمها ولِد الحاضر، وفي المجهول الذي نسمّيه مستقبلاً يقبع أثر منها. الماضي كالهواء، حاضر في الأزمنة كلها؛ بخطاياه المحفورة وذكرياته المخبوءة، نجره خلفنا كأنه سلسلة صلبة قيدت بها أعناقنا ونحن نمشي نحو الغد.