حتى وأنا أكتب: "يا رب" ما زلتُ أبحث عمّن يفهم ؛ كأنّ الكتابة على ما تمنحني من قدرةٍ على البوح لا تُغنيني عن تلك اللحظة التي أجد فيها شخصًا يقرأ ما وراء الكلمات ، فيراني دون أن أضطرّ إلى شرح نفسي من البداية .
هكذا هي الحياة بكلّ ما فيها من مشاعر ؛ لا نريد أن نعيشها وحدنا . نحبّ أن يصفّق لنا أحدٌ حين ننجح ، وأن يواسينا حين نفشل ، وأن نجد من يشاركنا أفراحنا ومخاوفنا دون أن نضطرّ في كلّ مرّة إلى إعلان حاجتنا إليه .
فلماذا نجد أنفسنا مع الوقت نعيش أكثر مشاعرنا وحدنا ؟
نحبّ ، ولا نجد دائمًا من يبادلنا ذلك الحضور الذي نحتاجه ؛
نخاف ، ولا نجد من يخاف علينا ؛
نقلق ، ونظلّ نحمل قلقنا في صدورنا ،
كأنّ علينا أن نكون الطرف الذي يفهم دائمًا ، ويطمئن دائمًا ، حتى حين لا يجد في داخله ما يكفيه ليطمئن !
كأنّنا لا نُرى إلا حين نتكلّم ، ولا نُفهَم إلا حين نشرح ، ولا يُلتفت إلى تعبنا إلا حين نطلب الالتفات إليه !
وما يؤلمني ليس ألّا أجد إجابةً كلّما سألت ، بل أنني اعتدتُ أن أكون من يبدأ ؛ إن تحدّثتُ وجدتُ ردًّا ، وإن سألتُ وجدتُ جوابًا ،
لكنّني أفتقد تلك المبادرة التي تأتي دون طلب ، ذلك السؤال الذي يسبق اعترافي بالتعب ، وذلك الشعور بأنّ أحدًا انتبه إلى صمتي فاقترب لأنّه أراد أن يفهم ✨
ومع ذلك .. يا رب ، أحاول ألّا أستسلم لهذه الأفكار ، ولا أن أُحمّل الآخرين مسؤولية كلّ ما عجزوا عن ملاحظته في داخلي .
أترك بعض الأسئلة تمرّ ، وألتمس للناس أعذارهم ، ثم أعود إليك بكلّ ما لم أعرف كيف أشرحه لأحد ؛ بكلّ مخاوفي التي أخفيها خلف كلامٍ عاديّ ، بينما في داخلي ما يحتاج إلى طمأنينةٍ أكبر من قدرتي على منحها لنفسي .
ربما لا أريد أن أكون مضطرًّا إلى شرح كلّ شيءٍ كي أُفهَم ، ولا إلى طلب الطمأنينة كلّما خفت ؛
أريد أن أشعر - ولو مرّةً - أنّ هناك من ينتبه قبل أن أطلب ، ويقترب قبل أن أشرح ، ويطمئنّ عليّ لأنّني أنا ، لا لأنّني أعلنت حاجتي إليه ..
يا رب ، لا تدعني أعتاد الوحدة إلى الحدّ الذي أكفّ فيه عن انتظار الرفقة ،
ولا تجعلني قويًّا إلى درجةٍ يظنّ معها الجميع أنّني لا أحتاج إلى أحد ؛ أنا لا أريد أن أستغني عن الناس ، ولا أن أتعلّم كيف أعيش بلا حاجةٍ إلى أحد ؛ أريد فقط ألّا أضطرّ إلى حمل كلّ شيءٍ وحدي !
وحتى يأتي ذلك الشعور سأظلّ أقول لك ما لا أقوله لأحد ؛ لأنّك تسمع ما لا أُحسن قوله ، وتعلم ما أعجز عن شرحه ، وترى منّي ما لا تستطيع الكلمات أن تُريه لأحد ...
يا رب ، لا أطلب منك أن تجعلني مكتفيًا عن العالم ، بل أن تحفظ في قلبي مساحةً آمنةً له ؛ مساحةً أستطيع فيها أن أحبّ دون خوف ، وأن أتعب دون اعتذار ، وأن أكون إنسانًا بكلّ ما في الإنسان من ضعفٍ وحاجة .
منذ زمنٍ طويل لم أشعر بهذا الألم ؛ لم تعد تراودني هذه الأفكار بهذه القسوة ، ولم أعد أعرف هذا الخوف الذي يجلس في صدري الآن ، كأنّه عاد من مكانٍ بعيد ليذكّرني بكلّ ما ظننت أنّني تجاوزته .
آهٍ يا رب ، ما أشدّ أن يسكت كلّ شيءٍ من حولي ، ولا يبقى مستيقظًا سواي ... أنا وعقلي وأفكاري التي لا تهدأ ؛ مخاوف تتكاثر ، واحتمالات تتزاحم ، وأسئلة لا أعرف من أين جاءت ، ولا كيف أوقفها .
أأنا ضالٌّ إلى هذا الحدّ ؟ أأنا حقًّا لا أستحقّ ما سعيت إليه ؟ أكلّ هذا الطريق الذي مشيتُه ، وكلّ ما قاومتُه ، وكلّ المرّات التي تعثّرتُ فيها ثم نهضتُ ، لم يكن كافيًا لأصل ؟!
لماذا أنا ، يا رب ؟ ولماذا يعود هذا السؤال كلّما ظننت أنّني بلغتُ شيئًا من الطمأنينة ؟ ألم يحن الوقت لأتنفّس دون أن أخشى ما تخبّئه الأيام ؟ أهناك خطأ ارتكبتُه ولم أنتبه إليه ، أم أنّني ما زلتُ أدفع ثمن شيءٍ لا أعرفه ؟
والله يا رب ، إنّك تعلم أنّني حاولت ؛ تعلم كم جاهدتُ نفسي ، وكم أخلصتُ فيما سعيت إليه ، وكم مرّةً سقطتُ فيها ثم جمعتُ ما تبقّى منّي لأواصل الطريق . لم أكن كاملًا ، ولم أدّعِ يومًا أنّني بلا أخطاء ، لكنّني رأيتُ أخطائي ، وتعلّمتُ منها ، وحاولتُ ألّا أبقى الشخص نفسه الذي ارتكبها . قاومتُ ما كان يُضعفني ، واجتهدتُ لأكون أقوى ، لا لأنّ الطريق كان سهلًا ، بل لأنّني كنت أؤمن أنّ الوصول يستحقّ كلّ هذا العناء .
فلماذا ما زلتُ خائفًا ، يا رب ؟ لماذا أشعر وكأنّ شيئًا ما ينتظرني في آخر الطريق ، وكأنّ كلّ ما بنيتُه من طمأنينةٍ قابلٌ للانهيار في لحظة ؟
يا الله ، إنّ هذا السؤال يؤلمني أكثر ممّا أستطيع وصفه . أخاف حتى أرتعش ، أقرقع أصابعي ، وأقضم أظافري ، وتتصادم أسناني من شدّة ما يضطرب داخلي . أحاول أن أكتب ، فتسبقني الفوضى إلى الكلمات ؛ أحاول أن أفهم ما يحدث ، فلا أجد تفسيرًا يهدّئني . كأنّ عقلي يركض في كلّ الاتجاهات ، وأنا واقفٌ في المنتصف ، لا أعرف إلى أين أذهب ، ولا ممّا أهرب .
لا أعلم يا رب ، أهذا ظلمٌ آخر أخشاه قبل أن يقع ؟ أم أنّ خوفي قد سبق الأحداث ، فصار يعاقبني على شيءٍ لم يحدث بعد ؟ لا أعرف ما الذي يجري ، ولا ما الذي ينتظرني ، ولا أملك من الغد إلا احتمالاتٍ تُرهق قلبي .
لكنّك تعلم ، يا رب ، ما الذي أخافه حقًّا ؛ تعلم الشيء الذي لا أريد أن يحدث ، والباب الذي أرتجف من فكرة أن يُغلق في وجهي ، والأمنية التي تعبتُ وأنا أحاول أن أصل إليها . أنت تعلم أنّني لا أطلب طريقًا بلا مشقّة ، ولا حياةً لا يمسّها الحزن ، لكنّني تعبتُ من أن أستعدّ للألم حتى في اللحظات التي لم يؤلمني فيها شيء .
يا رب ، إن كان هذا الخوف مجرّد وهمٍ ، فسكّن قلبي ؛ وإن كان ابتلاءً في الطريق ، فقوّني على اجتيازه ؛ وإن كان أمامي ما لا أستطيع رؤيته ، فلا تتركني لظنوني ، ولا تجعل خوفي من الغد يسرق منّي ما بقي لي من يومي .
أنا أعلم أنّ الخير منك ، وأنّك أرحم بي من نفسي ، لكنّني الآن ضعيفٌ يا رب ، ضعيفٌ بما يكفي لأعترف أنّني لا أستطيع وحدي حمل كلّ هذه الاحتمالات . أحتاج إلى طمأنينةٍ لا أضطرّ بعدها إلى تفسير كلّ شيء ، وإلى يقينٍ يردّني إليك كلّما أخذتني مخاوفي بعيدًا .
يا رب ، إنّ ما أخشاه أرجوك ألّا يحدث ؛ لا لأنّني أعلم ما تخبّئه الأقدار ، بل لأنّك تعلم كم يؤلمني مجرّد احتمال حدوثه ، وكم حاولتُ أن أصل إلى هذه اللحظة دون أن أنكسر . فإن لم يكن لي من الأمر إلا أن أنتظر ، فارزقني سكينة الانتظار ؛ وإن لم أستطع أن أغيّر ما سيأتي ، فأعنّي ألّا أخسر نفسي وأنا أخشاه .
يا رب ، لقد تعبتُ من مقاومة أشياءٍ لم تقع بعد ... فخذ بيدي إلى ما فيه الخير ، وطمئن قلبي قبل أن أعرف ما الذي ينتظرني ، ولا تجعلني أعيش وجع الغد مرّتين ؛ مرّةً في خيالي ، ومرّةً إن كُتب له أن يأتي ... يارب يا ألله 💙"
وها أنا ذا أقف أمام ما أشعر به فارغًا من اللغة كأنني استنفدتُ معاجمي كلّها ، وطرقتُ أبواب البلاغة حتى لم يعد وراءها ما يُقال ... لا لأن الشعور خفَّ ، بل لأنه اتّسع حتى ضاقت به الكلمات .
لقد كتبتُ كثيرًا ، وتحدّثتُ طويلًا ، وظننتُ في كل مرة أنني بلغتُ من المعنى منتهاه ، ثم أعود إلى نفسي فأكتشف أن شيئًا ما ظلّ خارج النص ، عصيًّا على البوح ، أكبر من أن تحمله جملة ، وأبعد من أن تبلغه استعارة .
صرتُ كلما هممتُ بالكتابة ، وجدتُني أكتب ثم أحتفظ بما كتبت ؛ أودعه مذكّرةً لا يقرؤها أحد ، أو أطويه في ورقةٍ أخبّئها عن العيون ، وقد أمضي بها إلى النسيان ، وربما أحرقتها ... لا كرهًا لما كتبت ، بل خشيةً من أن تمنح الكلماتُ شعوري هيئةً أصغر منه .
فقد قلتُ كثيرًا ، ونشرتُ كثيرًا ، حتى غدوتُ أخشى أن أكرّر نفسي ، وأن أستعير للمعنى الجديد ثوبًا قديمًا ، وأن أُخرج إلى الضوء ما لم يعد الضوء يتّسع له .
ولذلك ألوذ أحيانًا بالفرار باحثًا كلمات قد تفي ؛ أستنجد باقتباسٍ يلامس طرف ما أشعر به ، أو أستعير من بلاغة عابرٍ جملةً أعلّق عليها شيئًا من صمتي ، أو أهرب إلى أغنيةٍ لا أضع تحتها إلا كلماتٍ قليلة ...
لعلّ ما عجزتُ عن قوله كاملًا ، تستطيع إشارةٌ صغيرة أن تبوح ببعضه .
لا لأنني لم أعد أملك ما أكتب ... بل لأنني لم أعد أجد في كل ما أكتبه ما يكفي .
وما أشدّ حيرة الكاتب حين يصبح أكثر ما يؤمن به عصيًّا على قلمه ؛ يعرف كيف يصف الأشياء ، وكيف يشقّ للشعور طريقًا إلى اللغة ، ثم يقف أمام شعورٍ واحد كأن اللغة التي طالما أطاعته قد تواطأت عليه ، وكأن الحروف ، على كثرتها ، لم تُخلق لتبلغ هذا الموضع منه .
ربما لأن ما بقي لم يعد فكرةً أستطيع ترتيبها ، ولا إحساسًا أستطيع اختزاله في صورة ... بل صار شيئًا يتجاوز الكتابة كلما حاولتُ الإمساك به .
فما بداخلي أكبر من أن يُحكى ، وأجلُّ من أن يُبتذل بكثرة الوصف ، وأرقى من أن تستوفيه كلماتُ كاتبٍ بسيطٍ مثلي .
وهكذا كلما ظننتُ أنني فرغتُ من القول ، اكتشفتُ أنني لم أبلغ إلا أطراف ما أريد ؛ فأصمت ، لا لأن الحكاية انتهت ، بل لأنني أخشى أن تظلمها اللغة حين تحاول أن تمنحها اسمًا .
ولعلّ أعظم ما هزمني في هذه الحكاية أنني لم أفقد قدرتي على الكتابة ، ولم تنضب ينابيع اللغة في داخلي ... لكنّ شعورًا واحدًا استطاع أن ينتزع من البلاغة سطوتها ، ومن الكلمات يقينها ، ومن الكاتب ثقته بأن لكلّ ما يشعر به عبارةً تنتظره .
لقد كتبتُ عن ذلك الحبّ طويلًا ؛ قلّبتُه على وجوهه ، وألبستُه من الصور ما ظننتُ أنه يليق بعظمته ، حتى خُيّل إليّ أنني اقتربتُ من وصفه ... ثم وجدتُني اليوم عاجزًا عن كتابة المزيد كأن كل ما سبق لم يكن إلا محاولاتٍ صغيرة للاقتراب من حقيقةٍ أكبر من مجموعها .
فإذا بالسرّ الذي طالما حاولتُ أن أصفه في مقالاتي ، والحبّ الذي ظننتُ أنني منحتُه بالكلمات حقّه يعودان ليقفاني عند الحدّ الذي تنتهي عنده بلاغتي ... ويبدأ عجزها .
ولذلك لم أعد أخشى ألّا أجد ما أقول ... بل أخشى أن أقول ،
فيبدو ما بداخلي أقلّ مما هو عليه .
فثمّة سرٌّ لا يعجز الكاتب عن وصفه فحسب ، بل يعجز عن الإحاطة به مهما كتب ... وأنتِ ذلك السرّ ؛ ذلك المعنى الذي كلما ظننتُ أنني قلتُ فيه ما يكفي اكتشفتُ أنني لم أقل بعدُ ما يليق به أو يقربُ مِنه حتى 💙✨ "
يمرُّ العمر،
ويبقى مطلبي الوحيد
«السكينة»
في كل شيءٍ أقصده،
في المكان والرفقة،
ألّا يمسَّني الفزعُ ولا الشكُّ ولا الخيبة،
أن تغمُرَ الطمأنينةُ قلبي،
وتحفّه كشيءٍ يحميه.✨🍁🍂