قرن المولى بين توحيده وبرِّ الوالدين، وبعد طَلب توحيده أمر بالإحسان إلى الوالدين الذي هو أصل العلاقة معهما وليس العدل.
والإحسان للوالدين مركب من قسمين:
1- القيام بما فوق الحق لهما.
2- التجاوز عن تقصيرهم في حقك أو ما تظنّه حقّا لك.
وذلك وفق وسع الإنسان وقدرته، في حين أنَّ العدل هو المعاملة بالمثل.
وكلَّما ازدادت حاجة الوالدين كلَّما ازداد حقهم في البرِّ والإحسان، وذلك وفق الوسع والقدرة، ومن أشهر أمارات ازدياد الحاجة هي التَّقدم في السِّن.
والقاعدة في سياق البرِّ: إن رَسب الوالدان في التَّربية فلن أرسب في برِّهما، إذ التَّربية اختبار الوالدين والبرُّ اختباري أنا!
وليس معنى ذلك الطَّاعة المطلقة، إذ لا تعارض بين اللُّطف والتَّأدُّب وبين عدم الامتثال إن كان الأمر متعلَّقًا بما فيه مفسدة أو ضرر للنَّفس أو الغير، وبهذا يكون الإنسان امتثل الأمر الإلهيَّ وقدَّم القول الكريم
.
- هل أخطاء الوالدين تبرِّر أخطاء الابن؟
إن أردت أن تبرَّ والديك، فتوقَّف تمامًا عن تبرير أخطاءك بسوء تربيتهم لك، لأنَّ من كنت تعتقده أكبرَ سببٍ في معضلاتك ومصاعب حياتك فلن تكون متشوِّفًا أو متشوِّقًا لحسن التَّعامل معه.
بل إنَّ ربط الأخطاء بالوالدين بصورة تعسفية جائرة دون دليلٍ أو علم وحكمة وفهم للنَّفس البشرية ودون كثيرٍ من العوامل والأسباب المحيطة قد يقع في خانة الظُّلم لهما، فلا تكن من أصحاب المنهج الإبليسيِّ في إلقاء تَبعة أخطاءك على غيرك، وأمَّا المنهج السَّليم فهو الاعتراف بالأخطاء والسَّعي في إصلاح النَّفس، لأنَّ الله تعالى أعطى عَبيده القدرة على الفرار من قدر سوء التَّربية إلى قدر حُسن التَّزكية.
- التّعامل مع الأذى منهما.
اسع نحو التَّسامح أو على الأقل لا تجعل حالة الانتقام تسيطر عليك إن كنت تعرضت لسوءٍ في التربية والمعاملة بشكل بالغ، إذ إنَّ نار الانتقام تشتعل وتحرق حَاملها أوَّل ما تحرق، ولا تتحوَّل إلى نقيض ما كان عليه والديك فقط لأجل إذكاء نار الحقد والغضب منهما وبصورة انفعاليَّة.
والتَّسامح في أصله لا يستطيعه إلَّا أصحاب النُّفوس القوية العالية، وهو لا يعني إمرار الأذى الأغلبيِّ وظلم الآخرين لأجل الوالدين أو احتمال ما هو فوق قدرة النَّفس وسعتها، لكن دون تصادم معهما.
• ومن القواعد في التَّعامل: يُتحمَّل الأذى الأصغر دفعًا للأذى الأكبر، وهو مندرجٌ في خانة الصَّبر لا التّسامح.
• لن تصل إلى السَّوية النَّفسية حتى تتوقف عن اتِّهام والديك، وحتى تسامحهم بقدر استطاعتك، إذ أعظم عضلات المؤمن القوي هي الصَّبر والرَّحمة، ولذلك ينبغي ألَّا يتوهَّم الإنسان قَصد الأذى من والديه وخاصَّة في ميدان الطِّباع الشَّخصية لهما، ولا يعني هذا عدم وقوع الأذى فعلًا منهما وإنَّما المقصود إدراك أنَّه أذى غير مقصود أو متعمَّد.
•وأمَّا من كان يتعرَّض لأذى مستمر من الوالدين وثبت ذلك فإنَّ له أحكامًا خاصَّة وقواعد لا ينطبق عليه العامُّ في البرِّ، وكلُّ حالة تقدَّر بذاتها.
خطوات عمليَّة في البرِّ العمليِّ:
1- تصيَّد واقتناص ما يحبّه الوالدين، وترك أهمّ ما يكرهونه، وذلك باستمرار وثبات.
لا تكن على طبيعتك معهما إن كانت هذه الطبيعة تؤذيهما، والبرُّ كما يحبِّان هما لا كما يحبُّ الابن، فلا تقس والديك فيما يُحبِّان ويكرهان على نفسك.
2. تُمنع محاضرة الوالدين، إلَّا إن كان أحدهما يحبُّ ذلك ويطلبه.
3.تُمنع مقاطعة الوالدين أثناء الحديث معهما ومناقشتهما، ويُمنع التّصحيح والتخطئة لهما.
4.توقف عن الانتقاد لهما ما استطعت وعن اللوم على الأخطاء.
5.اقنع باليأس من التغيير.
فاليأس إحدى الرَّاحتين، وإعلاء التَّوقعات يؤدِّي إلى انهيار منظومة الصَّبر، بخلاف توطين النَّفس على الحقيقة والواقع.
6. لا تعامل الوالدين وفقًا لآخر ما تعلَّمت، فليس مطلوبًا أن يتحمَّل والديك كلَّ تقلِّباتك الفكرية والحياتية.
كيف نفتح المواضيع مع الوالدين ونضمن نجاح الوقت الخاص معهما؟
1-الحديث في المواضيع التي يحبّها الوالدين.
وجزء كبير من الآباء يعنيه الحديث بعيدًا عن مواضيع الاسرة والالتزامات والمشاكل الأسرية، ويحبُّ الحديث في المواضيع العامَّة.
في حين أنَّ الأمَّهات يحببن في الغالب الحديث عن المواضيع القريبة والمشاكل لأنَّها تجد في الحديث نوعًا من التخفيف.
2-مراعاة الجوانب والمواضيع الحسَّاسة لديهم.
مع الانتباه لأصحاب المراعاة الشديدة أو الجبن الشَّديد على عدم الغلو في هذا الأمر بصورة يظلم فيها نفسه ووالديه بضعفه وقلَّة صراحته المفيدة.
3-فقه التعامل مع الخطأ.
معيار الخطأ مع الوالدين هو ارتكاب ما يحزنهم، مع ما تقرَّره الشَّريعة من حلال وحرام، وهذا الخطأ في المعيار الخاصِّ بهم ينقسم إلى قسمين:
* قسم هو الحقُّ والصَّواب ومع ذلك يُحزنهم، فالتَّعامل الأنسب هنا هو جَبر الخاطر والانسحاب من النِّقاش دون جدال ولا نقاش يُحزنهم ولا ترك لهذا الصَّواب، فهم وإن كانوا أعظم النَّاس حقًّا لكنِّهم في ذات الحين دون الله تعالى.
*قسم هو خطأ في المعيار الشَّرعي وفي معيارهم كذلك، فالتَّعامل الأنسب هنا هو تقديم اعتذار سريع دون تبرير أو شرحٍ.
4-إغراقهم بالمدح والشكر والثَّناء، وهو من أعظم العبوديات لله، وإحدى صورة امتثال الأمر بالقول الكريم والقول المعروف.
5-في فقه النَّصيحة ينبغي مراعاة طبيعة الوالدين، فبعضهم من يحبُّ الكلام اللَّين وبعضهم يحبُّ الصَّراحة والوضوح ولكن بأدب.
شروط البرِّ في النَّصيحة:
أ- العلم قبل النصيحة: في الحكم الشَّرعي ثم في رتبته ثم في سياق الزمان والعرف ثم في الأحسن والأسلم للوالد، ويتحصَّل هذا العلم بالتعلَّم والتَّجريب.
ب- الرفق أثناء الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكر.
ج- احتمال أذى من ستقدِّم لهم النَّصيحة، والصَّبر على ذلك وعدم تحويل الأمر لجانب شخصي ورد فعل ودفاع.
د- معرفة ميزان المصالح والمفاسد النَّاتجة عن هذه النَّصيحة، فإن كان سيتولَّد عنها محرَّم أكبر كانت النصيحة في هذا الموضع محرَّمة، وهذا يُعلم بالتجربة وسؤال أهل العلم وطَلب العلم.
ضوابط البر:
1-مساحة البرِّ للوالدين المفروضة هي فيما يتعلَّق بهم وما يخصُّهم وما يضعونه من قوانين ناظمة للبيت، وما عدا ذلك فيقابلان بالرفق واللين والتَّنازل حينًا لكن لا تجب فيه الطَّاعة.
2-محلّه المعروف والحلال ولا برَّ في محرَّم، لكن إن ترتب على عدم الطَّاعة على محرَّم أن يقع محرَّم أكبر فيطاع الطَّلب لا لذاته وإنِّما درءًا للمفسدة الأكبر.
3-أن يكون وفقًا لقدرة الإنسان وهذا بإجماع العلماء، وهذا عامٌّ في كلِّ طاعة مطلوبة في الشَّريعة.
سماحة السيد محمد باقر السيستاني يطرح أسلوباً واقعياً وشرعياً في طريق تزكية النفس
وذلك من خلال النقاط التالية:
1- إنَّ تذكّرَ أولياءِ الله الصالحين الّذين بلّغوا رسالاتِ اللهِ تعالى، أو مَن كانوا حول الرسلِ والأنبياء والأوصياء، أسلوبٌ تربويٌّ مؤثّرٌ في مشاعر الإنسانِ وسلوكه بشكلٍ فطري.
وكمثل أعلى في ذلك نموذجيّة سيّدنا جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) والّذي قدّم ما قدّم وهاجر إلى الحبشة ودافع عن الرسالة الإسلاميّة العزيزة فكراً وجهادا وتضحيةً حتى أستشهد في غزوة مؤتة ، فلقّبه النبي الأكرم محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بجعفر الطيّار.
2- من المعلوم أنَّ النظرَ إلى تميّزِ الآخرين في سائر مناحي الحياة ماليّاً أو اجتماعيّاً أو علميّاً وأسريّاً ، يوجد حافزاً على تنميّةِ الإنسانِ لنفسه وحياته، بينما قد لا يجد هذا الحافزَ إذا لم ينظر إلى أحوال الآخرين، فكذلك الحال في الجوانب المعنويّة.
3- إنَّ القرآن الكريم دائماً ما يجعل السابقين أمثلةً مضروبةً للاحقين، وهذا ما نجده في سورة الفاتحة التي نقرأها عشر مرّات يوميّاً في الصلاة المفروضة حيث نقول:
{ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (5) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (6) غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)}
طلباً للهدايةِ والاستقامةِ.
4- مّن يَذكر اللهَ سبحانه حقّاً ويطمح للفوزِ ، عليه أن ينظرَ إلى الأمثلة الناجحة التي فلحَت في هذه المسيرة ، وما جعلَ اللهُ سبحانه الأنبياءَ ليستوعبوا رسالته ذهنيّاً فحسب، بل هُم تمثّلوا بها وبمبادئها في أخلاقهم وسلوكهم.
5 - لا تنفكّ النفسُ الإنسانيّةُ عن تبرير كسلها وتقاعسها وتغطيتها على تقصيرها، وبذلك توجد سدّاً ومانعاً لصاحبها من الاقتداء والاهتداء بالأولياء والصالحين.
ولذا علينا أن نتأمّل النماذجَ المُثلى المضروبة لنا في القرآن الكريم، وكذلك النماذج الصالحة ممّن كانوا مع النبي محمّدٍ(صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم) وأهل بيته الأطهار.
6- ينبغي الالتفات إلى أنَّ الأعمالَ الصحيحة المأثورة والمشهورة هي مقدّمةٌ في مقام التعبّد للهِ سبحانه وطلب الحاجةِ منه ، وبعضُ النّاسِ يبحثون عن أشياء أخرى غير معروفةٍ وغير موجودةٍ كصلاةٍ غير معروفةٍ أو دعاء غير معروف يوصيهم بها هذا أو ذاك ،بحجّة ثبوتها بالتجربةِ، وهذا منهج ليس بصحيح .
7- علينا أن نستذكرَ ما كان عليه الصالحون السابقون مِن الإيمان الصادق والإخلاص لله سبحانه ، وبذل النفسِ والنفيس في سبيل الدّين، ونسعى للاقتداء بهم، ولا أقلّ مِن أن نغبطهم، وكذلك نستذكر أخوتنا المجاهدين الّذين استشهدوا في القتال ضدّ داعش.
8- نحن نقول: ( يا ليتنا كنّا معكم) بالنسبة لأئمة أهل البيت المعصومين(عليهم السلام) ، وهذه خطب أمير المؤمنين علي(عليه السلام) – وهذه أخلاقه – وهذا كلامه موجود- وهذه تربيته وأخلاقه وعبادته موجودة – وهذه وصاياه لولاته كعهده لمالك الأشتر ، هل عملنا بها ؟ فليس من الصحيح أن نمنّي أنفسَنا بالآمال والأمنيات دون عملٍ واقتداءٍ.
من تذكرةِ سَمَاحَةِ السيّدِ الأستاذ مُحَمّد باقر السيستَاني (دَامَتْ بركاتُه)
الأربعاء - التاسع من جمادى الأولى 1448 هجري .
تدوين : مرتضى علي الحلّي - النجف الأشرف .
صدر حديثا عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية 📢
#مجلة_العقيدة_العدد_40 📖
رئيس التحرير :
السيد هاشم الميلاني
مدير التحرير :
د. عمار عبد الرزاق الصغير
محتويات العدد :
■ الحداثة الغربيّة ونشأة المنهج الكلاميّ التجديديّ
الشيخ محمود علي سرائب
■ دعوى المهدويّة للإمام الكاظم(عليه السلام) عند الواقفة
السيّد زين العابدين الغريفيّ
■ حقيقة النبوّة وظاهرة الوحي عند سبينوزا
أ. أحمد حسين النَّصري
■ قيمتا العلم والعقل في فكر الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام)
د. حيدر عبد الحسين زوين
■ رسالة في أصول لدين
الفقيه السيد محمد هاشم الخوانساري
تحقيق: الشيخ محسن مظاهر شعبان
■ مولد الإمام الجواد (عليه السلام) وشهادتهّ
الشيخ محمد باقر ملكيان
المزيد على الرابط التالي:
https://aqeeda.iicss.iq/?id=139 🔗