في الليلة التي مات بعدها بساعات، اجتمع أصدقاء ديدرو به على سرير موته، وتمحور حديثهم معه عن الفلسفة والطرق المؤدية إليها. فقال ديدرو: "الخطوة الأولى نحو الفلسفة هي التشكيك". وكانت تلك العبارة الأخيرة التي قالها هي آخر ما سمعته منه ابنته.
وما أشار إليه ديدرو دقيق بشأن مهمة الفلسفة، فـ "الفلسفة تعني أن تكون في الطريق"، كما يقول الفيلسوف كارل ياسبرز، وليس المهم الوصول الذي يتعذر بطبيعته من خلال هذه الوسيلة، ولهذا ذكر هنتر ميد أن الذين قاموا بدراسة الفلسفة مع التوقعات العظيمة أصيبوا بخيبة أمل وإحباط، وأصبحوا متشككين جدًا في القدرة على الوصل إلى حقيقة محددة.
الحصول على درجة الدكتوراه البداية لا النهاية، بداية الانطلاق في كتابة الأبحاث والانخراط في مشاريع بحثية ضمن تخصصك، والاهتمام بحضور المؤتمرات، ومشروعك الخاص البحثي الذي ستضيف فائدة لمسيرة البحث العلمي. فالمراحل التي قبله إعداد وتدريب لهذه المرحلة الذهبية من حياتك العلمية والبحثية.
يتحدث الباحث يوسف رابوبورت عن نقطة تستحق الدراسة، وهي أثر الأدب العربي (القصص، والحكايات، والشعر، والسردية)، قبل الإسلام وبعد الإسلام، في التشبع بالثقافة العربية والانغماس في روحها، ومن ثم التمهيد إلى تقبل الإسلام. وهنا إشارة مهمة إلى القابلية نحو التحول الديني الذي تسبقه ألفة ثقافية وتاريخية مع عالم الإسلام، قبل التعرف العقدي والاقتناع به أو بالتوازي معه.
ويضرب يوسف رابوبورت مثالاً على ذلك بالعالم اليهودي المعروف السموأل المغربي وقراءاته قبل إسلامه لأخبار العرب قبل الإسلام وبعده، مثل: أخبار عنتر، وذات الهمة، وسيرة أبي محمد البطال، وقراءته أخبار التاريخ عند الطبري، وكيف أثر ذلك في تشبعه بالثقافة العربية وأخلاقها ومبادئها، ودور ذلك في التهيئة لأرضية مألوفة له للانتقال إلى الإسلام.
وقد ذكر يوسف رابوبورت أمرًا مثيرًا، وهو استمرار قراءة اليهود لسيرة عنتر والعثور على نسخة شبه كاملة منها في جنيزة القاهرة؛ وهو شاهد على تداول الأدب العربي وتأثيره العبار للحدود الدينية والثقافية.