جُبِل الرجلُ على الحركة والبروز، وفي مخالطة الناس شدُّ عصبه وصقلُ عقله وحفظُ مهابته.
وربما أثّر طول القعود في البيت في إذهاب بعض الهيبة لطول الإلف وكثرة الرؤية
فإن الشيء إذا كثر رَخُص.
ومن ألطف ما قيل في هذا المعنى ما حكاه أبو الفرج الأصفهاني في «الأغاني» عن أبي الأسود الدؤلي انه كان قد أسنّ وكبر، ومع ذلك يكثر الركوب إلى المسجد والسوق وزيارة أصدقائه، فقال له رجل: أراك تكثر الركوب وقد ضعفت وكبرت، ولو لزمت منزلك كان أودع لك، فأجابه:
«صدقتَ، ولكن الركوبَ يشدُّ أعضائي، وأسمعُ من أخبار الناس ما لا أسمعه في بيتي، وأستنشي الريحَ، وألقى إخواني؛ ولو جلستُ في بيتي لاغتمَّ بي أهلي، وأنِسَ بي الصبيُّ، واجترأ عليَّ الخادمُ، وكلَّمني من أهلي من يهابُ كلامي — لإلْفِهم إيَّاي وجلوسي عندهم — حتى لعلَّ العنزَ أن تبولَ عليَّ فلا يقولُ لها أحدٌ: هِسْ
إن أردتَ أن تُدرك الأبرار وأنت في سوقك ووظيفتك، فعليك بثلاث:
نيّةِ نفعِ الناس كلَّ صباح،
وطُعمةٍ حلالٍ،
وورعٍ عن الشبهات.
قال ابن تيمية:
“من أحبّ أن يلحق بدرجة الأبرار ويتشبّه بالأخيار، فلينوِ في كل يوم تطلع فيه الشمس نفعَ الخلق، فيما يسّر الله من مصالحهم على يديه، وليُطع الله في أخذ ما حلّ وترك ما حرّم، وليتورّع عن الشبهات ما استطاع؛ فإنّ طلب الحلال والنفقة على العيال بابٌ عظيم لا يعدله شيء من أعمال البِرّ”.
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾
مضى دهرٌ والدنيا قائمة وأنت لا شيء، وسيأتي دهرٌ وهي قائمة وأنت لا شيء.
فأنت بين عَدَمين، ومُهلتُك سطرٌ قصير بينهما… فاكتب فيه ما يُفرحك بدار الخلود
الذنبُ مع الاعترافِ يوشك أن يؤدي إلى التوبة
والذنبُ مع التبريرِ بابٌ إلى الإصرار.
فلا يكن همُّك أن تُريح نفسَك من الندم؛ فإنّ الندمَ آخر ما يبقى لك من عافية القلب.