إذا نظرتَ من الأعلى،
ستبدو لكَ
المرأةُ كالنملةِ التي تحملُ قشةً
بيضاءَ وسط الصحراء.
لكنَّ القشةَ هنا هي "مشيرة"،
والصحراءَ هي هذا الجبلُ الموحش
لا أحدَ في الكادرِ سواهما:
الأُمُّ تلهثُ فيخرجُ من فمِها البخار،
والبنتُ رأسُها مائلٌ على كتفِ
أُمّها كأنها نائمةٌ في حافلةٍ عامة.
الصمتُ مطبقٌ
إلا من إيقاعِ احتكاكِ الثوبِ
بالصخر،
وصوتِ النَّفَسِ المتلاحقِ الذي
يصعدُ وحيداً..
ليُخبرَ الكون،
أنَّ أُمّاً يمنيةً تختصرُ الآن
عارَ البشريةِ كلِّها.
المفارقة أنّ الإنسان لا يكتفي بأن يعيش عواقب قراراته بل يُحاكم نفسه أيضًا على جرائم لم يرتكبها وحيوات لم يعشها وسعادات لا يملك دليلًا على أنّها كانت ستحدث أصلًا
يقول كيركيغارد «تزوّج وستندم لا تتزوّج وستندم» كأنّ المأزق ليس في الاختيار نفسه بل في وعينا الذي يجعلنا ندرك أنّ كل طريق نسلكه يُغلق وراءنا طرقًا أخرى فنحن لا نخسر حين نختار فحسب بل نظلّ نتساءل عمّا كان يمكن أن نكسبه لو اخترنا على نحوٍ مختلف
وهنا تكمن المفارقة التي يجيد دوستويفسكي تشريحها قد يمتلك الإنسان عقلًا يتّسع لتخيّل ألف حياة ثم يعجز عن التصالح مع الحياة الوحيدة التي يملكها إنّه يتألّم من احتمالات لم تحدث ويمنحها من السعادة ما لا يجرؤ على منحه لواقعه
أما سؤال «هل أعيش أفضل نسخة من حياتي» فيفترض ضمنًا أنّ هناك نسخة مثالية تنتظرنا خلف قرارٍ آخر لكنّنا لا نعرف إن كانت تلك الحياة ستمنحنا السعادة أم ستضعنا أمام أشكالٍ جديدة من الخيبة ولعلّ هذا ما يجعل فكرة نيتشه عن «العود الأبدي» جديرة بالتأمل هل نستطيع أن نقبل حياتنا بكل ما فيها لو كان علينا أن نعيشها مرارًا
ربما لا تكون مأساتنا أنّنا اخترنا الطريق الخطأ بل أنّنا نمضي في طريقنا ونلتفت إلى الخلف طويلًا حتى نفقد الطريق الذي نسير فيه.
في فرنسا حين ينزل الناس إلى الشوارع احتجاجًا على سياسات حكومتهم يُناقَش الأمر بوصفه شأنًا ديمقراطيًّا وحقًّا مدنيًّا لكنّ السؤال الأكثر إزعاجًا يبدأ حين نعبر حدود الجغرافيا هل تتمتّع جميع الشعوب بالقدر نفسه من التعاطف حين تحتجّ وبالاهتمام نفسه حين تُنتهك حقوقها
المشكلة ليست في احترام احتجاجات الفرنسيين بل في أن تصبح حقوق الإنسان لغةً عالميةً في الخطاب ومصلحةً انتقائيةً في التطبيق تُستحضر بقوةٍ حين تتوافق مع الحسابات السياسية ويخفت صوتها حين تصبح كلفة الدفاع عنها مرتفعة
وهنا تبدو المفارقة لافتة لقد أعلنت الثورة الفرنسية أنّ الحرية والمساواة قيمتان تتجاوزان الامتيازات الموروثة لكنّ السياسة الدولية لا تزال محكومةً أحيانًا بمنطقٍ أكثر براغماتية فليس المهم دائمًا ما الذي حدث للإنسان بل مَن هو هذا الإنسان وأين يعيش وأيّ المصالح تتقاطع مع قضيّته
وليس معنى ذلك أنّ كلّ موقف دوليّ متناقض أو أنّ جميع الدول تتصرّف بالطريقة نفسها بل إنّ الاختبار الحقيقي للمبادئ يبدأ حين تتعارض مع المصالح لا حين يكون الدفاع عنها بلا ثمن
فالعدالة التي تتغيّر قيمتها بتغيّر هوية الضحية لا تكون قد فقدت صوتها فحسب بل فقدت شيئًا من معناها أيضًا