كان هذا الزوج العظيم ﷺ يوماً من الأيام حاجاً بالناس، فبرك بصفية جملها، فبكت وجاء لمّا أخبروه، فجعل يمسح دموعها بيده، وهي تبكي وهو ينهاها، فنزل بالناس، وأوقف قافلة الحجيج وأمر الناس بالنزول، علما بأنه لم يكن يريد أن ينزل.
بل كان يجلس عند بعيره، فيضع ركبته، وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب عليه.
ما هذه الرحمة التي امتلأ بها قلب ذلك الزوج ﷺ وبلغت منتهاها؟
إلى أي درجاتٍ من الحسن بلغ هذا الزوج، جمع بين حُسن الخَلق وحُسن الخُلق، يصوم مع زوجته أغلب شعبان كي لا يشق عليها ويقع في نفسها حرجاً أن تصوم وهو مفطراً ولا توانسه ولا تواكله، وكي يعطيها فرصةً لتنهي ما فُرض عليها، وكيّ يعطيها وقتاً أطول لراحتها وهي صائمة فيصوم، بخلاف لو كان مفطراً فإنها ستقوم بإعداد الطعام وتجهزيه.
بل قام ليعلنها بعد جاهليةٍ عمياء … وبعد كفرٍ مطبقٍ … وبين الألوف المؤلفة ... التي أتت من كل فج عميق لتنهل من علمه ... ولتمتثل خبره وتعمل بأمره ... صدح بها وبأعلى صوته في حجة الوادع ... وبين الحقوق ... وأعطى كل ذي حق حقه (فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله...) رواه مسلم باب حجة النبي ﷺ (٢٩٥٠) وقال:(استَوصوا بالنِّساءِ خيرًا فإنَّهنَّ عندَكُم عَوانٍ ليسَ تملِكونَ منهنَّ شيئًا غيرَ ذلِكَ إلَّا أن يأتينَ بفاحشةٍ مبيِّنةٍ) صحيح ابن ماجه، وحسنه الألباني.
يتبع👇🏼
قال الشيخ عطية سالم - رحمه الله - في شرح بلوغ المرام:
(وهنا يُعلِّل العلماء كونه ﷺ يُكثر الصوم في شعبان مع أنه ليس من الأشهر الحرم، يُجيب العلماء عن ذلك بجوابين:
الأول: وهو جواب الجمهور قالوا: قد جاء عنه ﷺ أنه قال: (هذا شهرٌ يغفل الناس عنه ما بين رجب ورمضان) صحيح النسائي، للألباني.
الثاني: عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: كان ربما يَجتمعُ عليه ﷺ صيامُ الثلاثةِ الأيام من كل شهر؛ لأن صوم ثلاثةِ أيام من كل شهر من المندوبات، فربما شُِغِل عنها بسفر، أو بمشاغل أخرى فتتراكم عليه هذه الأيام الثلاثيات فكان يصومها في شعبان.
وهناك جواب ثالث وهو: أن زوجاته أمهات المؤمنين - رضي الله عنهن - كُنَّ من أدركتها الدورة منهن في رمضان تُفطر، ثم تُؤخر قضاء أيام رمضان إلى أن يأتي شعبان، فيصمن ويقضين ما عليهن من رمضان في شعبان، فكان يصوم معهن إرفاقاً بهن، وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: (كنتُ يكون عليَّ القضاء من رمضان فلا أتمكن من قضائه إلا في شعبان لكثرة ما يصوم رسول الله ﷺ)، فلعله كان يصوم أكثر شعبان حتى يعطي الفرصة لزوجاته أن يصمن ويقضين ما عليهن من عدة أيامٍ من رمضان، والله تعالى أعلم (جزء ٤، صفحة ١٥٤ بتصرف يسير).
استوقفتني العلة الثالثة التي ذكرها الشيخ - رحمه الله - وجال خاطري فيها يميناً وشمالاً وأمعنت التأمل فيها كثيراً فقلت ...... يتبع👇🏼