"فالغنائمَ الغنائمَ قبل الفوَات!
والعزائمَ العزائمَ قبل النَّدم والحسَرات!
شهركُم هذا شهرُ عِمارة المِحراب، وتلاوَة الكتاب، تعمَّر فيه المساجد، ويُغبط فيه الراكعُ والسَّاجد، والحَسرة للكسُول القاعِد، أيَّـام خيرٍ وفَضل وتعبُّـد، ترفُ فيهَا القلُوب، وتغفرُ فيها الذُّنوب، وتتجافَى عن المضاجِع الجنُوب.
لقد جـدَّ الجادُّون فلا ترضَوا لأنفسكُم بالدُّون، واعمَلوا وجدُّوا وشمِّروا حسبَ الطَّاقـة والاستِطاعة، فمن عجزَ بالليل كان لهُ بالنَّهار مُستعتب، ومن عجزَ بالنَّهار كان لهُ بالليلِ مُستعتب، والمُؤمن العاقِل المحاسِب نفسه قد ينسَى بالليل ويذكر بالنَّهار، وينسى بالنَّهار ويَذكر بالليل. فاستودعُوا أيَّـامكم هذهِ الصَّالحة؛ فإن العُمر منتقِصٌ وزائـلٌ، ولا تفوتكم الفُرَص، ومِن أنفَع أيام المُؤمن ما ظنَّ أنهُ لا يدرك آخِره، وحقيقةُ الزُّهد قِصَرُ الأمل، والمَوت معقودٌ بالنَّواصي، والدُّنيا تطوَى من ورائِكم".
"ألا فاتقُوا الله، فشهركُم هذا نفيسٌ لا قيمةَ له فيُبـاع، ولا يُستدرك منهُ ما ضَاع؛ فيا وبالَ الغافِـل! متى يُغفَر لمن لم يُغفر له في رمَضان؟ ومتَى يُشفى قلبٌ من لم تشفِه آياتُ القُرآن؟".
اجعل صلاتك بالليل زمنًا تلتزم به لا قدرًا تنتهي إليه؛ كأن تنوي ساعةً أو نصفها، ولا يكن همك آخر الصفحة أو الجزء، ولو لم تُصَلِّ إلا ركعة، ولم تقرأ إلا آية؛ فالقصد هنا تربية القلب وتزكية النفس، ولهذا إذا وجدت قلبك في القيام فلا تركع، أو في الركوع أو السجود فلا ترفع، فمن بورك له في شيء فليلزمه.
هٰذه الجُمعة ليسَت كسائر الجُمعات، خابَ وخسِر من لمْ يغتَنمها.
هذا اليوم يَجتمِعُ فيه شرف الزمانَيْن؛ يوم الجُمُعة وشهر رمضان، وشرف القولَيْن؛ الصلاة على النبي ﷺ وقراءة القرآن، وشرف الدعوتَيْن؛ عند الإفطار وآخر ساعة من الجُمُعة تحرّوها وأطيلوا لَهْجَكُم فالمُعطي كريم.
وفي رواية أخرى: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
[إيمانًا: أي تصديقًا بأنه حق وطاعة، وأنَّ الله تعالى هو الذي شرع صيامه وقيامه ورغَّب فيه. واحتسابًا: أي طلب الثواب من الله تعالى، فيصومه ويقومه عزيمةً -على معنى الرغبة في ثوابه، طيبةً نفسُه بذلك، غير مستثقل لصيامه وقيامه- حَمَلَ صَبْرًا في ذلك لله تعالى وحده].