ذكر لوثيانو بيرنيكي¹ كتابه " أغرب الحكايات في تاريخ المونديال²" :
أنه في كأس العالم ١٩٥٨ طلبت إيرلندا من الفيفا عدم اللَّعب في أيّام "الأحد"، قبلَ انطلاقِ البطولةِ بوقتٍ قليلٍ قَدّم اتحادُ إيرلندا الشمالية طَلَبًا غريبًا لـ(فيفا) يَتعلّق برغبتِه في عدمِ لَعبِ أيِّ مباراةٍ في أيامِ الأحد، وكانَ هذا الطلبُ العجيبُ يَرجعُ إلى أنّ ستة من لاعبي الفريق شبه المحترف -وهم بيلي سيمبسون وسامي ماك غروري وبوبي ري وسامي تشابمان وتومي هاميل وبوبي ترينور - كانوا مسيحيين متشدّدين يتعاملون بجديةٍ شديدةٍ مَع مسألةِ العطلةِ الإنجيليةِ في أيامِ الآحاد، وكان اللاعبون الستة قد لاحظوا أن اثنتين من أصل ثلاث مباريات في مرحلة المجموعات أمام ألمانيا وتشيكوسلوفاكيا - ستلعبان في يوم الأحد.
رفض (فيفا) الطلب وسافرت إيرلندا الشمالية إلى السويد بفريق تقلّص عدده إلى ستة عشر لاعبا، إذ فضّل الستة الآخرون البقاء حتى لا يغيبوا عن عِظَةِ الأحدِ بإحدى كنائس بلفاست ".
وهذا من العجب العجاب، الذي يُدمي القلب ويُحير الألباب، فلو تتأمل حال هؤلاء القوم من الأعاجم؛ إذ هم على دينٍ قد علمنا بطلانه بالضرورة، ومع ذلك حملهم ما وقر في نفوسهم من تعظيم شعائره الباطلة، على أن ينبذوا ما يُسمونه "كأس العالم" وراء ظهورهم، وأن يهون عليهم من شهرة الدنيا وزخرفها ما يهون، ولا يهون عليهم ما يرونه دينًا!
ولم يكونوا -ويحك- قومًا من الرعاع لا يُعبأ بهم، ولا نفرًا من النظارة والمتفرجين، بل كانوا من أعمدة منتخبهم، ومن كبرائهم في هذا اللهو، حتى لقد خاطب اتحاد بلادهم (الفيفا) يستميحهم تغيير مواعيد البطولة من أجل طقوسهم، فلما أبت عليهم (الفيفا) ، أبى هؤلاء أن يخسروا ما اعتقدوه من دينهم، فاعتزلوا غير نادمين.
فأين كثيرٌ من المسلمين اليوم من هذا المعنى العظيم؟! أين من يُدعى إلى صلاته، وهي آكد فرائض الإسلام بعد الشهادتين، ثم تثقل عليه حتى كأنما يُساق إلى هدم جبل، أو كأنما يُساق إلى الموت وهو ينظر؟!
ولست أدري -والله- كيف هانت على هؤلاء القوم صلاتهم! وكيف طاوعتهم أنفسهم أن يحتشدوا
في "ميدان الشهداء" وغيره، عاكفين على هذا اللهو والعبث، وتشرق عليهم شمس النهار وهم في غفلتهم ماضون، لم يقم لصلاته ولأداء فرض ربه منهم أحد، ولم يرتفع فيهم صوت نكير، ومثلهم الذين أمضوا سواد ليلهم ساهرين على هذا اللهو الرخيص، سُمَّاراً على هذا العبث، حتى إذا تنفس الصبح، وحقَّت الفريضة، ضربت عليهم الغفلة، واستثقلوا رقادهم، وكأنما هم في سكرة لا يفيقون!
فيا أيها المتفرجون! اعلموا أن من كانت "صفارة" الحكم في هذا العبث أشدَّ وقعًا في قلبه، وأسرعَ استجابةً في جوارحه، من نداء الله يُرفع: حي على الصلاة.. حي على الفلاح!، فعليه أن يراجع نفسه الميتة، وليبكِ دمًا على دينه الذي ضيعه، وليعلم أن قلبه قد خَرِب، وأنه على شفا جرف هارٍ.. فإن الخطب جلل، والمصاب في الدين عظيم، والأمر لله من قبل ومن بعد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1- عرفه إداورد غاليتو بأنه : " جاسوس مخضرم، تمكن من التسلل إلى كل بطولات كأس العالم، ونجح في استقصاء أسرار... نحن معشر الكرويين ممتنون له".
2- أغرب الحكايات في تاريخ المونديال ۱۳۲.
حدثنا عبد الله قال محمد، ثنا أبو عمر العمري، قال: حدثنا أصحابنا: أن حكيما، لقي حكيما، فلما أراد أن يفترقا قال أحدهما لصاحبه أوصني؟ قال:
«اجعل الله همك، واجعل الحزن على ذنبك؛ فكم من حزين قد وفد به حزنه على سرور الأبد، وكم من ذي فرح قد نقله فرحه إلى طول الشقاء، وكم من قوم قد أخر عنهم ما قد عجل لغيرهم نظرا من السيد لهم، وتحننا منه عليهم فملوا ذلك، وأحبوا تعجيل ما أخر عنهم؛ فأبدلوا بالرضا السخط؛ وبالمحبة البغضة، وبالسكينة الخفة، وسلبوا صالح العبادة، وحلاوة الطاعة ففقدوا ما عرفوا، فندموا على ما أحبوا من تعجيل الدنيا، فلم تغن عنهم الندامة هيهات، وأنى لهم ذلك، وقد بطروا نعمة الطاعة، فأبدلوا بها ذل المعصية في أنفسهم، ووهنا في قلوبهم فخرجوا من الدنيا متلاومين لم يصبروا على ما اختير لهم ولم يدركوا ما استعجلوا، أولئك الذين خسروا في الآخرة، وضل سعيهم في العاجلة».