وفي نهاية هذا السعي، تقف مجددا لتسأل:
أين موقعك أنت من العالم؟
ولا أسأل عن موقع جغرافي، وإن كان مهما، ولا عن موضع زماني، وإن كان ذا صلة. ولا عن موقعك الاجتماعي، وألقابك العلمية. لا أسأل عن كل ذلك من معرفات تقليدية. أسأل عنك أنت، عن نفسك وتأثرها وتأثيرها. أسأل عنك لأذكرك وأنت تكاد تصهر نفسك في عالم أو عوالم قد عافاك اللّٰه بأن جعلك بعيدا عنها بما يكفي لتراقبها وتكون شاهدا عليها وتعتبر منها، ألا تجسر المسافة بينك وبينها. وتجعلها جزءا من همك. كيف تصلح فيها كما أصلحت في نفسك؟ كيف تحسن فيها كما أحسنت في نفسك؟ كيف تعكس فيها الأثر الجميل الذي حفظته بداخلك؟ كيف تمنع العالم أن يسكب بداخلك التعب، وتسكب أنت فيه بدلا من ذلك الضياء؟
أما والله إني لرامق لكم الرمق الأخير للحظةِ التي يحدث فيها الانتحار وهي لحظة انعدام الهوية الذاتية.
أمّا الإنْتحار فيَمُرُ عبر منازلٍ لا خلاص منها بِوصفِ الباحثِ ماتياس جاي: أولاها تفتُّتٌ وجوديٌّ وانطفاءُ الوجهةِ نحو المستقبل؛ وثانيتُها تشظٍّ في العلاقاتِ وتمزُّقٌ في الحكاية؛ وثالثتُها انقباضٌ حادٌّ في الزمن، واحتدامُ الوجعِ النفسيّ، وضيقٌ في مسالكِ الإدراك. وخلاصةُ ما رآه أنَّ الفعلَ كثيرًا ما ينبثقُ لا رغبةً في الموت، بل التماسًا للخلاصِ من تقويمٍ لا يُطاقُ سُكناه.
ويميّزُ الباحثُ ثلاثةَ ألفاظٍ لا يخلطُ بينها: الانهيار وهو انهيار بنيةِ الاتّساقِ والأساسِ الوجوديّ؛ والتفتُّت وهو انفراطُ البنيةِ النفسيَّةِ الانفعاليَّةِ شيئًا فشيئًا؛ والخروجُ عن المسار وهو الإحساسُ بأنّ الحكايةَ حادَتْ عن سَننِها فلم تعُدْ تُقرأ. وهي وإن تداخلت فطبقاتٌ متمايزةٌ في السُّلَّم.
ومقرره في ذلك: كينونةُ هايدغر نحو الموت، وزمانيَّةُ ميرلو-بونتي المتجسِّدة، و«الزمنُ المعيش» عند فان مانِن، و«فقدانُ الرضا الباطن» عند لانغله.
والمسالكُ والمنازل نُفصّل فيها:
المسلك الأول وهو الجوهريَّة (الوجوديَّة): ينسلُّ المستقبلُ أوَّلًا. تفقدُ الأدوارُ والصِّلاتُ رنينَها القِيَميّ، وتُرى الحكايةُ مغلقةً لا تقبلُ تنقيحًا. ولا نيَّةَ هنا في موتٍ بعدُ، بل «نيَّاتٌ أوليَّة»: أن يتوقَّف، أن يختفي، أن يُعفى من الوجود. والخطرُ أنّ صاحبَ هذه المنزلةِ لا يبدو في أزمة؛ معاناتُه خافتةٌ عميقة، تغفلُ عنها أدواتُ التقييم الاِكلينيكي المعتادة.
المسلك الثاني وهو العلائقيَّة السرديَّة: يخرجُ الصدعُ إلى الظاهر. أدوارٌ تتهاوى، وانتماءٌ يُصدُّ عنه صاحبُه، وسيرةٌ ذاتيَّةٌ تفقدُ تسلسلَها حتى يلتبسَ على المرءِ متى وقعَ ما وقَع. ويُذكرُ هنا «الانزلاقُ الزمنيّ» وفيه تأرجحٌ بين ذكرياتٍ مُقتحِمةٍ وحيواتٍ متخيَّلةٍ لا تُنال. في هذه المنطقةِ البين بين يكتسبُ الانتحارُ لغةً واستعارة، فينتقلُ من شعورٍ إلى إمكانٍ رمزيّ.
المسلك الثالث وهو الحادَّ Acute (البدئيَّة): ينطبقُ الزمنُ انطباقًا. ماضٍ لا يُستردّ، ومستقبلٌ لا يُتصوَّر، وحاضرٌ لا يُطاق. تغرقُ الهويَّةُ تحت ضيقِ الإدراكِ وفيضانِ الاجترار و«الوجعِ النفسيِّ» الذي سمَّاه شنايدمان أصلَ الداء. والانتحارُ هنا ليس حسابًا يُجرى، بل ما يبدو للمُبتلى ضرورةً وجوديَّة وفيها إنهاءُ ما لا يُحتمَل.
ْ
إنه لأمرٌ مدهشٌ حقّا، كيف يحتفظ الأحمق بحمقهِ، والموهومُ بوهمهِ، كمن يحفظ دُرًّا عالي القيمة نادر الوجودِ ويدهُ ممسكة بالخراب. والحقيقة كالماء بين يديهِ، شفافة بسيطة صافية ناصعة لا يشوبها شيء ولا يداخلها ما ليس منها حتى يفضحهُ تجانسها ونشازهُ. منذ اليومِ الأولِ هي تعلن نفسها بأحرف واضحة بيّنة، واليوم بعد الأول، وكل يومٍ. لا هي تَملُّ ولا هي تُمَلُّ.
كيف يتخلقُ الوهمُ أصلا في عقول هؤلاء؟
كيفَ يأتون به إلى الوُجودِ، وأسبابُ الحقِّ مُعلنةٌ متصلة لم تنقطع بعدُ، وظاهرة لم تُحجَب. كيف يؤلفُ هؤلاء واقعًا موازيًا من الهباء لا صلة له بالواقع الفعليِّ؟ كيف يتجرؤون على اللّٰه وخلقهِ وسُننهِ. من أين لهم بها؟ كيف يدلفون بداخل محاريب عقولهم وأنفسهم وهي خاوية فيصبون فيها ما يحلو لهم صبًّا أيًّا كانَ وكأن النفس في فطرتها بلا حرمةٍ والعقلَ وما يتعلقُ بلا وزنٍ والمعتقدَ والمعنى كُلّهُ سواءٌ.
بل كيف تستحلي ذائقتهم الباطل أصلا وهو أمرُّ من العلقم؟ هل تكون مصيبة هؤلاء في الذائقة بالأساس، فتسوَدُّ لهم جرا بما يتذوقونَ الصحائف؟ أم أن مصيبتهم الثقة المفرطة التي تجعلهم يتجرؤون ويلونون حتى الدنيا بألوانهم الباطلة. يمدون أياديهم لتقترف وتأثمَ ولا تتعفف حتى يكون لهم ما رأوه، ومع أن ما يدفعهم للتلونِ والتغيير وإبطال الأشياء القائمة وعيهم بأنها لا تحابيهم، وخوفا باطنا من أنها تكشف زيفهم وتفندُ أوهامهم.
إنه لأمرٌ مدهشٌ حقّا، كيف يحتفظ الأحمق بحمقهِ، والموهومُ بوهمهِ، كمن يحفظ دُرًّا عالي القيمة نادر الوجودِ ويدهُ ممسكة بالخراب. والحقيقة كالماء بين يديهِ، شفافة بسيطة صافية ناصعة لا يشوبها شيء ولا يداخلها ما ليس منها حتى يفضحهُ تجانسها ونشازهُ. منذ اليومِ الأولِ هي تعلن نفسها بأحرف واضحة بيّنة، واليوم بعد الأول، وكل يومٍ. لا هي تَملُّ ولا هي تُمَلُّ.
كيف يتخلقُ الوهمُ أصلا في عقول هؤلاء؟
كيفَ يأتون به إلى الوُجودِ، وأسبابُ الحقِّ مُعلنةٌ لم تنقطع بعدُ وظاهرة لم تُحجَب. كيف يؤلفُ هؤلاء واقعًا موازيًا من الهباء لا صلة له بالواقع الفعليِّ؟ كيف يتجرؤون على اللّٰه وخلقهِ وسُننهِ. من أين لهم بها؟ كيف يدلفون بداخل محاريب عقولهم وأنفسهم وهي خاوية فيصبون فيها ما يحلو لهم صبًّا أيًّا كانَ وكأن النفس في فطرتها بلا حرمةٍ والعقلَ وما يتعلقُ بلا وزنٍ والمعتقدَ والمعنى كُلّهُ سواءٌ.
بل كيف تستحلي ذائقتهم الباطل أصلا وهو أمرُّ من العلقم؟ هل تكون مصيبة هؤلاء في الذائقة بالأساس، فتسوَدُّ لهم جرا بما يتذوقونَ الصحائف؟ أم أن مصيبتهم الثقة المفرطة التي تجعلهم يتجرؤون ويلونون حتى الدنيا بألوانهم الباطلة. يمدون أياديهم لتقترف وتأثمَ ولا تتعفف حتى يكون لهم ما رأوه، ومع أن ما يدفعهم للتلونِ والتغيير وإبطال الأشياء القائمة وعيهم بأنها لا تحابيهم، وخوفا باطنا من أنها تكشف زيفهم وتفندُ أوهامهم.
إن سيكولوجية التخلف من الناحية الإنسانية تبدو لنا على أنها، أساسا، سيكولوجية الإنسان المقهور. تكوين الإنسان المتخلف النفسي، وتركيبه الذهني، وحياته اللاواعية، محكومة كلها بالاعتباط والقهر وما يولدانه من قلق جذري، وانعدام الشعور بالأمن والإحساس بالعجز أمام المصير.