يمر هؤلاء الذين ترى على الكلمات فيعجبهم نضدها، أو لمحة من لمحات معانيها، وتمتلأ قلوبهم بشيء ما، ومن ثم هي تفرغ.
أما أنت فلا يمتلأ بشيء قلبك دون فهمٍ، واذا تم لك ذلك فعلا، لا يفرغ قلبك بعدها أبدا.
تفهمني؟ إن قلتُ لك أن الحالَ التي يضنيك التفكيرُ فيها ورؤيتُها تسوءُ يومًا بعد يومٍ، هي في الحقيقة أسوءُ من كل ما تتخيلُ، وأنها مع ذلك وفي الوقت ذاته أحسنُ مما أنت تتخيل؟
هي أسوءُ مما تتخيل: لأن السوءَ فيها الذي ترى ساعٍ متحرّكٌ، يَغيبُ عنكَ ليمسَّ خِفيةً ما لا تراهُ، وما يعجز أمامه تصورك، ولأنك لا تتمكنُ من تتبع السوءِ إذا غابَ فيما لا تراه، ولأنك غالبا تسأمُ. وهي كذلك -بسوءِها الذي فاق كل توقعاتك- خيرٌ من كل توقعاتك، لأن كل ما تتخيلهُ من حُسنٍ إذا جُمعَ، إذا ركب بعضه إلى بعضٍ وجُمِّعَت أشتاتُهُ وصوَرهُ ومثالاتهُ، لا يستقيمُ كما تستقيمُ هي بتدابيرها، بخيرِها وشرها. وإذا استبدلتَ الواقع بأجمل ما جادت به خيالاتك جميعا، لكان الواقعُ - بما فيه- منها أجمل وأكثرَ بهاءً.