الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
هذا حديثٌ استكمالي لما بدأناه في مجلس "التخطيط المُبَكِّر لرمضان"، وفيه نناقش قضيةً شائكةً تتكرر كل عام، ألا وهي: "هل آخذ إجازةً من العمل في رمضان أم أستمر؟".
1. تَبَايُنُ الْأَحْوَال:
القاعدة العامة هنا أنه "لا توجد قاعدة واحدة تسري على الجميع"؛ فالمسألة تختلف اخْتِلَافًا جَذْرِيًّا باختلاف الظروف: طبيعة العمل، ومدى حاجة الناس إليه، والمسؤوليات الأسرية.
فمن كان مُتَفَرِّغًا بلا أعباء، ويريد التفرغ للقرآن، فالإجازة في حقه قد تكون أَرْجَح. أما أصحاب المهن الحيوية (كالكهرباء، والصيانة، والطوارئ)، فهم في ثغرٍ، وحاجة الصائمين إليهم في هذا الشهر آكَدُ، وخدمة الناس عبادةٌ يُؤجرون عليها.
2. خِدْعَةُ "التَّفْرِيطِ" بِاسْمِ "الصِّيَام":
يجب التنبيه بقوةٍ على مفاهيم مغلوطةٍ وخطيرةٍ يقع فيها بعض الموظفين؛ وهو التفريط في العمل بحجة الصيام.
فالدولة أو المؤسسة حين تخفف الدوام (ساعةً مثلًا)، نجد البعض يخصم من تلقاء نفسه ساعاتٍ أخرى! فيغادر قبل الوقت بساعة أو ساعتين لينام، ويعطل مصالح الخلق، ويقابل المراجعين بضجر وسوء خلق، وكأن الصيام مبررٌ للتقصير!
نقول لهؤلاء بوضوح: هذا نوعٌ من أكل المال بالباطل، وهو غِشٌّ للأمانة. والمراجع الذي نهرته لأنك "صائم" ليس مَلُومًا، بل أنت الْمَلُومُ لعدم أدائك الحق الذي تأخذ عليه أَجْرًا.
3. رَمَضَانُ لَيْسَ شَهْرًا لِلنَّوْم:
من يطلب الإجازة هربًا من المشقة؛ عليه أن يستحضر أَصْلًا مُهِمًّا: الصيام شُرع على أناسٍ يعملون ويكدحون، لا على أقوامٍ في إجازة!
في القرون الأولى لم يكن هناك "نظام إجازات"؛ كانت الحياة تدور، والمعاش يُطلب.
بل انظر إلى التاريخ الإسلامي؛ أعظم صور الجهاد ومشاقه كانت في رمضان (غزوة بدر، وفتح مكة). لم يقل النبي ﷺ: "نؤجل الفتح لشوال لنتفرغ للعبادة"، بل كان الفتح في صميم رمضان. وهذا يؤكد أن هذا الشهر ليس "شهرًا للكسل"، بل هو شهرٌ للجلد والصبر.
فالمقصد التربوي للصيام أن يمارس الإنسان حياته وهو صائم؛ ليتذوق ألم الجوع ويكتسب فضيلة الصبر، لا أن ينام نهارًا ويسهر لَيْلًا.
4. خُطُوَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِلْمُوَازَنَة:
حتى لا تنهار قوى العامل في رمضان، هناك خطواتٌ عمليةٌ ضمن "التخطيط المُبَكِّر":
التدريب المسبق: من داوم على صيام النوافل طوال العام، أو أكثر منه في شعبان، دخل عليه رمضان وجسده معتادٌ على الجهد، فلا ينهار أثناء العمل.
الإِدِّخَار: من كان حريصًا على التفرغ للعبادة، فعليه أن يكدح قَبْلًا ليوفر المال الكافي، فمن تعب في الجمع لن يضيع وقته في اللهو.
تحويل الأوقات (العمل الليلي): في بعض البيئات، يتم ترحيل الأعمال الشاقة إلى الليل. ورغم سلبية "قلب الليل نهارًا"، إلا أنها مفسدةٌ أخف من مفسدة الفطر في رمضان أو انقطاع المعاش.
ختامًا:
الوضع العام السائد حاليًا هو "الاسترخاء النهاري"، وهذه بلوى عَمَّتْ، ولكن المؤمن الْكَيِّسَ هو الذي يخطط لرمضانه؛ فيوازن بين واجباته الدنيوية التي هي أمانة، وبين طموحاته التعبدية، دون أن يطغى جانبٌ على جانب.
وجزاكم الله خَيْرًا.