فيما يخص دراسة المرأة للطب وموازنتها بينه وبين وظيفتها الفطرية:
أصل «التطبيب» مراتب؛ أدناها وأعمها ما يحفظ صحة البدن والمحيطين، وهو علم فطري عرفي كانت تتوارثه الأمهات والجدات في البيوت لمعالجة العوارض اليسيرة وعلل الأطفال. وثمة مستوى أعمق للحالات الطارئة كعلاج اللدغات والجروح، وكان في كل حي من يحسنه.
أما «الطب السريري المعقد»؛ فلم يكن مسارًا عامًا، ولكن المنظومة المعاصرة أضفت عليه قداسة كبرى، وصرفت أذكياء الأمة إليه. وقد قيل – وهو قول له شواهده – إن من مقاصد حث نوابغ المسلمين على الطب والهندسة صرفهم عن مزاحمة أهل النفوذ في قيادة البلدان، ومجالات السياسة، والاقتصاد، وعلم الاجتماع؛ ولذلك يُمنع الطلاب المبتعثون في بعض الدول الغربية من التخصص في الدراسات القيادية والاستراتيجية كـ «الاقتصاد السياسي»، بينما تُفتح لهم أبواب الطب والهندسة على مصاريعها.
ثم إن المنظومة العامة ربطت الأرزاق والمكانة بهذه التخصصات حصرًا، وصار دخولها في الغالب طلبًا للجاه والمردود المادي لا لخدمة الخلق، وإن استُصحب هذا الأخير لفظًا. هذا المسار الطويل يستنزف من عمر الفتاة سنوات شبابها، وربما ترك أثرًا سالبًا على رقتها وخصائصها الفطرية لكثرة معايشة الأوجاع والبيئات القاسية؛ فمن عافاها الله منه فالحمد لله، ومن قُدر عليها فلتحرص على تقليل آثاره الجانبية ما وسعها.
إشكالية دراسة الفتاة للتخصصات الشاقة (الهندسة والطب)
هذه إحدى أكبر المعضلات المعاصرة، إذ يضغط الوالدان على الفتاة لولوج كليات كالهندسة المدنية أو الطب، مع ما فيها من مشقة ومخالطة واسعة للرجال لا تناسب طبيعتها.
والواجب هنا سلوك منهج «سددوا وقاربوا»، فتعمل الفتاة على التوفيق والمداراة وتوسيط العقلاء من الأهل لتخفيف هذا الضغط، تجنبًا للوصول إلى قطيعة أو صراع يؤدي بالمرء إلى النفور من الدين وتكاليفه بدعوى أنه سبب الشقاق الأسري. فإن قُضي عليها الاستمرار في التخصص؛ فلتجتهد في ترسيخ بنائها الشرعي ليعصمها الله، وليعلم الأهل من حالها وسمتها ما يجعلهم يدركون خطأ مسارهم معها.
ثم إذا أتمت دراستها؛ فليس بلازم ولا واجب أن تمارس المهنة في بيئاتها غير المنضبطة، إذ يمكنها التحول إلى مهارات نافعة، أو العمل عن بُعد عبر الشبكة، أو التدريس في محاضن مأمونة إن ألجأتها الحاجة.
بالنسبة الإخوة في تركيا – بمدينة سكاريا – ضمن برنامجي «صناعة عقل» و«صناعة داعية»، وحيرتهم بين توجيه جهودهم للدعوة في أوساط الأتراك أو قصرها على العرب:
هذه مسألة يكثر ورودها في بلدان شتى. والنصيحة التي أراها في ظل التعقيدات المعاصرة، وتشويه العمل الدعوي، والحساسيات المفرطة لدى الحكومات تجاه الأجنبي الذي يدعو في أوساط مواطنيها: أن تُصرف الطاقات المحدودة إلى بني جلدتكم، وتحديدًا إلى أوساط السودانيين، ثم العرب عمومًا.
ليس هذا تزهيدًا في دعوة أهل البلد لعدم استحقاقهم، معاذ الله، ولكن درءًا للمفاسد والملاحقات التي تجلبونها لأنفسكم، فضلًا عن أنكم أقدر لسانًا وحالًا على التأثير في مجتمعكم وإفادته، وهم كُثر ويحتاجون إلى هذا الجهد. أما المناشط العامة المجردة التي لا تستهدف أفرادًا بأعيانهم؛ كإلقاء كلمة عابرة في محفل، أو موعظة إثر صلاة تراويح في مسجد دون ترتيب تنظيمي حساس، فلا بأس بها، ويستفيد منها من شاء. أما البناء التأسيسي والعمل الخاص، فليقتصر على دائرتكم درءًا للضرر.