تأخذ مني باللين أضعاف ما تأخذه بالقسوة.
ونتراحم فيما بيننا بالعتاب لا الهجر.
ويا صاحبي، إذا أخذتك دنياك وأشغلتك عني؛ فقلبي واسع في الإحسان والتفهم.
ولا يريبني منك إلا صمتك في كثير من الأحيان، ولا أثقل عليك بحديث ينبئ عن دواخلك، وأعلم أنك لا تريد أن تثقل عليّ بحمل فوق ما أحمله، فنصل بعضنا بالدعاء والسلامات البسيطة العميقة في صدقها ووجهك الخيّر.
فَكن بخير.
«واعلم -وفقك الله تعالى- أن البدن كالمطية، ولا بد من علف المطية، والاهتمام به، فإذا أهملت ذلك، كان سببًا لوقوفك عن السير.
وقد رئي سلمان رضي الله عنه يحمل طعامًا على عاتقه، فقيل له: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله ﷺ؟! فقال: إن النفس إذا أحرزت قوتها، اطمأنت.
وقال سفيان الثوري: إذا حصلت قوت شهر، فتعبد.
وقد جاء أقوام ليس عندهم سوى الدعاوى، فقالوا: هذا شك في الرازق، والثقة بي أولى!! فإياك وإياهم.
وربما ورد مثل هذا عن بعض صدور الزهاد من السلف، فلا يعوَّل عليه، ولا يهولنك خلافهم، فقد قال أبو بكر المروذي: سمعت أحمد بن حنبل يرغِّب في النكاح، فقلت له: قال ابن أدهم.. فما تركني أتمم حتى صاح علي وقال: أذكر لك حال رسول الله ﷺ وأصحابه، وتأتيني ببُنيات الطريق؟!».
من استغنى مَلَك.
ملك قلبه من استجداء المشاعر وطلب الناس والتوسل للبقاء.
ومن انتظر هلك.
أهلك قلبه ووقته ومشاعره؛ في انتظار شيء يمده بأحقيته في الحب أو أي وجه من أوجه الحياة.
- لا تألف النعمة، روتين يومك اللي ماشي بمقدار محفوظ وكل يوم تصحى تلاقي اللي عندك زي ما هو، تقبض وتسدد أقساط وتخرج كل شهر مرتين في مكان معين وهكذا..
كل دي نعم عظيمة جدا ممكن تسلب منك في مرة وبدون المخططات اللي إنت راسمها في دماغك، يعني ممكن تقول أنا واحد ماشي جنب الحيط لا عامل مشكلة مع حد ولا مدير في الشغل ولا أي شيء، وبالتالي شغلي هيبقى زي ما هو ومصدر دخلي موجود!
ولكن الرازق هو الله مش المكان، وممكن حد ييجي يتبلى عليك عادي ويقطع عيشك، وبالتالي تخل عن حولك وقوتك وتمسك برب الأسباب مش السبب نفسه، واخشوشن في الحياة وتصدق كثيرا.
- الابتلاء هيجيلك مرة واحدة، مش لازم له تمهيد، ومش شرط يخلص بسرعة وتحمد ربنا وقت حدوثه، بل اختبارك يكمن في طول الابتلاء وشدته.
اللي هو حياتك تنقلب رأسا على عقب، وتبقى من رجل عايش حياته بشكل معين، إلى واحد عايش حياته بشكل آخر تماما مع سلب النعم ووطأة الصبر وشدة الأيام وغيرها.
علشان كده لازم تزكي نفسك وتهذبها وتُخضعها للآخرة بدلا عن الدنيا، واوع تنسى حمد ربنا دائما، اوع تنسى تحمده، واوع تكسل في الدعاء أن يجنبك سوء الأقدار، واوع تستثقل أو تستصغر الذكر، ودايما بص للي تحتك، دايما بص للمبتلين وادع لهم.
وأحذرك أخرى، إياك تألف النعمة وتشوفها حاجة مستحقة ليك علشان شطارتك أو كفاءتك أو صلاحك، سبحانه يرزق الكافر في الدنيا رزقا وفيرا من مال وبنين ويقبضه عن رجل صالح! لحكمته وبصيرته سبحانه.
تقوى الله هي المخرج، ومن اتقاء الله في نفسك ألا تنسى أن تحمده.
وبقولك كده علشان وقت الابتلاء والشدة تلاقي حاجة في صدرك تؤزرك وتعينك على اللي هتلاقيه، إنك تستمسك بحبل الله سبحانه.
كف عن قول: ليتني فعلت هذا!
كف عن جلد ذاتك، ما فات قد فات وقدر الله قد نفذ، خذ من البلاء ما يرفعك درجة ويعلمك حكمة ويهذب قلبك العصي.
وإن أصعب ما يمُر على الإنسانِ أن يجلد ذاته على فرصٍ ليس له من الأمر شيء فيها، وليس لبصيرته أن ترى غير المقدور عليها لتتجنبه!
وأكثر ما يخفف عنه؛ أن ما فاته لم يكن له، وأن قدر الله النافذ رفعة له، وأن الأمر كله لله، وما عنده خير وأبقى.