من استغنى مَلَك.
ملك قلبه من استجداء المشاعر وطلب الناس والتوسل للبقاء.
ومن انتظر هلك.
أهلك قلبه ووقته ومشاعره؛ في انتظار شيء يمده بأحقيته في الحب أو أي وجه من أوجه الحياة.
- لا تألف النعمة، روتين يومك اللي ماشي بمقدار محفوظ وكل يوم تصحى تلاقي اللي عندك زي ما هو، تقبض وتسدد أقساط وتخرج كل شهر مرتين في مكان معين وهكذا..
كل دي نعم عظيمة جدا ممكن تسلب منك في مرة وبدون المخططات اللي إنت راسمها في دماغك، يعني ممكن تقول أنا واحد ماشي جنب الحيط لا عامل مشكلة مع حد ولا مدير في الشغل ولا أي شيء، وبالتالي شغلي هيبقى زي ما هو ومصدر دخلي موجود!
ولكن الرازق هو الله مش المكان، وممكن حد ييجي يتبلى عليك عادي ويقطع عيشك، وبالتالي تخل عن حولك وقوتك وتمسك برب الأسباب مش السبب نفسه، واخشوشن في الحياة وتصدق كثيرا.
- الابتلاء هيجيلك مرة واحدة، مش لازم له تمهيد، ومش شرط يخلص بسرعة وتحمد ربنا وقت حدوثه، بل اختبارك يكمن في طول الابتلاء وشدته.
اللي هو حياتك تنقلب رأسا على عقب، وتبقى من رجل عايش حياته بشكل معين، إلى واحد عايش حياته بشكل آخر تماما مع سلب النعم ووطأة الصبر وشدة الأيام وغيرها.
علشان كده لازم تزكي نفسك وتهذبها وتُخضعها للآخرة بدلا عن الدنيا، واوع تنسى حمد ربنا دائما، اوع تنسى تحمده، واوع تكسل في الدعاء أن يجنبك سوء الأقدار، واوع تستثقل أو تستصغر الذكر، ودايما بص للي تحتك، دايما بص للمبتلين وادع لهم.
وأحذرك أخرى، إياك تألف النعمة وتشوفها حاجة مستحقة ليك علشان شطارتك أو كفاءتك أو صلاحك، سبحانه يرزق الكافر في الدنيا رزقا وفيرا من مال وبنين ويقبضه عن رجل صالح! لحكمته وبصيرته سبحانه.
تقوى الله هي المخرج، ومن اتقاء الله في نفسك ألا تنسى أن تحمده.
وبقولك كده علشان وقت الابتلاء والشدة تلاقي حاجة في صدرك تؤزرك وتعينك على اللي هتلاقيه، إنك تستمسك بحبل الله سبحانه.
كف عن قول: ليتني فعلت هذا!
كف عن جلد ذاتك، ما فات قد فات وقدر الله قد نفذ، خذ من البلاء ما يرفعك درجة ويعلمك حكمة ويهذب قلبك العصي.
وإن أصعب ما يمُر على الإنسانِ أن يجلد ذاته على فرصٍ ليس له من الأمر شيء فيها، وليس لبصيرته أن ترى غير المقدور عليها لتتجنبه!
وأكثر ما يخفف عنه؛ أن ما فاته لم يكن له، وأن قدر الله النافذ رفعة له، وأن الأمر كله لله، وما عنده خير وأبقى.
موعد وفاتك محدّد مسبقًا، ومنذ وقت بعيد جدًا. المال الذي سيودع في حسابك في الأسبوع الثالث القادم. الفكرة الحلوة التي ستسحرك بجمالها بعد أيام، ولا تعرف مصدرها. الصديق الذي لم يودعك ولم يرجع. المكتب الجميل التي اشتراه لك والدك بعد تفوقك في الصف الخامس، والذي يشبه هديتك أنت لولدك بعد بضع سنين. الكتاب الذي سيبهرك بعد أن تعثر عليه في مكتبة نائية وبسعر زهيد. التعب الذي سيلاحقك بضعة أشهر بعد سنتين ونصف. الاسم الحلو لحفيدك الثاني. ملامح الرجل الخلوق الذي سينتقل لاحقًا للسكن في المنزل المجاور. ترددك الطويل والمرهق في القبول بفرصة عمل. طموحاتك التي ستتأخر كثيرًا ، ثم لن تحدث. كل ذلك محدد مسبقًا بأدقّ التفاصيل التي لن تخطر ببالك، حتى هذه الكلمات التي تطالعها الآن -ربما وأنت تهرول لتلحق بموعد سيفوتك حتمًا- قد قدّر لك قبل أن تتعلم القراءة أصلًا. وهكذا .. فلا مفرّ من اليقين والتسليم المستكين بأنه «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ»، لأن «الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ». لا أعرف عزاءً دائمًا ولا مواساةً كاملةً أعظم من ذلك.
- لهفة البدء في أي شيء؛ المغلفة بالآمال والأحلام، المتشبعة بكل فضول عن غدٍ مرجو مأمول.
فإذا قوبلت اللهفة بشيء من الجمود أو عكس الأمل المنشود، ضُرب على قلب صاحبنا بمطرقة يأس عظيمة، كأنه الموت المحتوم!
- الانتظار لأي شيء تزود به عن وحدة الدنيا ومشقتها؛ انتظار شعور من أحدهم، انتظار فرصة ما، انتظار الهداية والصلاح وأنت لا تحرك ساكنا، انتظار من يغيثك من وحشة نفسك وغربتها!
وإني أنصحك أن تتريث في الأولى تريث العقلاء؛ فلا تغتر ولا تزل.
وأنصحك في الثانية أن تحرك ساكنا ولا تلقِ بأعبائك على غدٍ! ربما لا يأتي غد.
وأسأل الله لك أن يزهدك في الدنيا زهدا لا تفتر به عن عزائم أمورك وعملك، ولا تقبل عليها إقبالا ينسيك آخرتك.
وأسأله أن يبصرك بحكمة القول والرأي، فلا تقل إلا حقا، ولا تصمت إلا ابتغاء حفظ نفسك وغيرك.
وأسأله أن يغنيك عن سؤال الناس؛ في أموالهم ومشاعرهم، يكفيك ويسد عنك مؤونة الحاجة، فلا تركن إلا إليه وحده.
وأسأله أن يرزقك خير الرفقة، خيرهم في الإحسان والجود والتحمل.
إنه على ذلك قادر؛ آمين.