موعد وفاتك محدّد مسبقًا، ومنذ وقت بعيد جدًا. المال الذي سيودع في حسابك في الأسبوع الثالث القادم. الفكرة الحلوة التي ستسحرك بجمالها بعد أيام، ولا تعرف مصدرها. الصديق الذي لم يودعك ولم يرجع. المكتب الجميل التي اشتراه لك والدك بعد تفوقك في الصف الخامس، والذي يشبه هديتك أنت لولدك بعد بضع سنين. الكتاب الذي سيبهرك بعد أن تعثر عليه في مكتبة نائية وبسعر زهيد. التعب الذي سيلاحقك بضعة أشهر بعد سنتين ونصف. الاسم الحلو لحفيدك الثاني. ملامح الرجل الخلوق الذي سينتقل لاحقًا للسكن في المنزل المجاور. ترددك الطويل والمرهق في القبول بفرصة عمل. طموحاتك التي ستتأخر كثيرًا ، ثم لن تحدث. كل ذلك محدد مسبقًا بأدقّ التفاصيل التي لن تخطر ببالك، حتى هذه الكلمات التي تطالعها الآن -ربما وأنت تهرول لتلحق بموعد سيفوتك حتمًا- قد قدّر لك قبل أن تتعلم القراءة أصلًا. وهكذا .. فلا مفرّ من اليقين والتسليم المستكين بأنه «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ»، لأن «الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ». لا أعرف عزاءً دائمًا ولا مواساةً كاملةً أعظم من ذلك.
- لهفة البدء في أي شيء؛ المغلفة بالآمال والأحلام، المتشبعة بكل فضول عن غدٍ مرجو مأمول.
فإذا قوبلت اللهفة بشيء من الجمود أو عكس الأمل المنشود، ضُرب على قلب صاحبنا بمطرقة يأس عظيمة، كأنه الموت المحتوم!
- الانتظار لأي شيء تزود به عن وحدة الدنيا ومشقتها؛ انتظار شعور من أحدهم، انتظار فرصة ما، انتظار الهداية والصلاح وأنت لا تحرك ساكنا، انتظار من يغيثك من وحشة نفسك وغربتها!
وإني أنصحك أن تتريث في الأولى تريث العقلاء؛ فلا تغتر ولا تزل.
وأنصحك في الثانية أن تحرك ساكنا ولا تلقِ بأعبائك على غدٍ! ربما لا يأتي غد.
وأسأل الله لك أن يزهدك في الدنيا زهدا لا تفتر به عن عزائم أمورك وعملك، ولا تقبل عليها إقبالا ينسيك آخرتك.
وأسأله أن يبصرك بحكمة القول والرأي، فلا تقل إلا حقا، ولا تصمت إلا ابتغاء حفظ نفسك وغيرك.
وأسأله أن يغنيك عن سؤال الناس؛ في أموالهم ومشاعرهم، يكفيك ويسد عنك مؤونة الحاجة، فلا تركن إلا إليه وحده.
وأسأله أن يرزقك خير الرفقة، خيرهم في الإحسان والجود والتحمل.
إنه على ذلك قادر؛ آمين.
ثلاثة نصايح للتعامل مع الناس سواء على وسائل التواصل أو في الحياة عموما - من وجهة نظري :-
١- احفظ رأيك لنفسك لو حد غيرك كفاك مؤونة الرد، لأن مهما كان كلامك بسيط ومفهوم هتلاقي اللي يدخلك لمستنقع فكره هو ويحاكمك للي فهمه في دماغه ومهما قلت وبررت هتطلع إنت الغلطان، وده هينجر عليك بتعب قلب وشقاء كبير جدا إنت في غنى عنه، فلو حاجة ضايقتك وعاوز تتكلم فيها، انتق خليلك بعناية واتكلموا فيها بأريحية بعيدا عن صخب الناس كافة.
٢- لا تثقل على الناس بشكايتك، الناس فيها اللي مكفيها، ومهما قلنا إن الناس لبعضها، برضو كثرة الشكوى هتخليهم ينفروا منك ويعتادوا عليها وبالتالي مهما قلت مش هتزيد عندهم قيد أنملة.
كثرة الشكوى كذلك تنسيك النعم اللي إنت مش شايفها ومستصغرها، وهتركز بس على اللي راح منك، وده يُذهب الإيمان في القلب مع الوقت.
ادع الله وثبت أقدامك بالدعاء والعمل على قد ما تقدر واحفظ شكوتك لنفسك، وإن كان لا بد، فانتق برضو خليلا صافي القلب تبوح به بما في صدرك، ولا تثقل عليه أيضا.
٣- لا تبرز نعمة أنعمها الله عليك لكل أحد، مش بس مخافة الحسد، ولكن مخافة التقليل منها والحقد والغل، وبرضو مش بسبب دول فقط، ولكن مراعاة لمشاعر الناس اللي مش لاقية واللي حالها اتعجن بسبب كثرة الضغوط والأحوال الأيام دي.
تحدث عن فضل الله عليك بوجهه العام وأن الله سبحانه يرزق ويغدق على عباده ولا ينقص ذلك من خزائنه شيء.
وفي الأخير أنت حر في نفسك، احفظها وراع حق الله فيها، واحفظها كذلك من أعين الناس وكلامهم، لأنك مش عايش لوحدك.
احفظ عنى هؤلاء؛ تكن لك الراحة، والسلام.
إنت عاوز تختفي، بس مينفعش تختفي.
عاوز تسكت، بس مينفعش تسكت.
عاوز تنعزل تماما، بس مينفعش تنعزل!
كل افتقار لشيء شايفه هيريحك مش هتناله إلا أن يشاء الله.
أنت في دنيا، مضطر تخالط الناس وتتكلم بالحسنى وتبذل الطاعات وتصبر على البلاء!
لم تكن الجنة التي خلقها الله بعظمته وجلاله شيئا عاديا مباحا!
الجنة قول وعمل.
اللسان يورد المهالك، يدخلك جهنم، وقياسا؛ إيدك اللي بتكتب وتشارك مع كل تريند أو كل حاجة نغصت شيء في نفسك وحسبت أن كلامك فيها صحيحا!
طيب تعمل إيه لو أنت مش عارف الصح من الغلط! تعرفه وتشوف شرع ربنا قال إيه وكلام الصالحين المصلحين وتفاسيرهم فيه وبعد كل برضو هتسكت!
لأنك معندكش العلم الكافي علشان ترد شبهة لو حد اتكلم بكلام ضدك، ولأنك شوفت غيرك أعلم منك كفاك المؤونة بتاعة ردك، فتحط لسانك في بوقك وتحفظ عليك قلبك وتسكت.
صدقني؛ هنلاقي يوم القيامة ناس بتدخل جهنم اللي قلبك هينخلع من مكانه لما تشوفها تساق إلى الناس يوم القيامة، ويا إما تقول الحمد لله الذي نجاني، أو تقول يا ليتني.