هذا الذي تقول عنه "يا مربي الأجيال" أنه تشدد وتسخر منه، وتُضحك "الجيل الصاعد" عليه، هو أسلوب يشابه ما تكلم به الله سبحانه وتعالى في تهديد من لم يستجب له وأعرض عن الحق!
يقول سبحانه: للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أنّ لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد [سورة الرعد]
ويقول جل وعلا: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين [سورة العنكبوت]
أنا لا أعرف عمن تتكلم، ولكن هذا المتكلم تكلم بكلام صحيح لا مشكلة فيه إلا عند من في قلبه مرض، ويظن أنه المصلح الذي لا يجدر لأحد أن يخالف منهجه الإصلاحي المزعوم!
فما المشكلة عندك إذا ذكر أنه من لم يستجب للحق فالنار تسعه؟ ألم يقل الله سبحانه: أليس في جهنم مثوى للكافرين؟
وهو قال هذا لطلابه حتى لا يُذهبوا أنفسهم حسرات على من تولى وأعرض.
وحتى لا يتفذلك أحدهم ويقول: هو لم يتكلم عن الكفار بل المبتدعة.
فيقال: لا فرق، فكلا الفريقين متوعد بالنار، والاختلاف في خلود طائفة دون الأخرى، وهناك من المبتدعة كفار أصلا لوقوعهم في بدع كفرية.
ومن ثم، أنا أتحدث عن الأسلوب نفسه، هو أسلوب تكلم به الرب سبحانه.
يقول ربنا سبحانه: وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال * في سموم وحميم * وظل من يحموم * لا بارد ولا كريم * إنهم كانوا قبل ذلك مترفين * وكانوا يصرون على الحِنث العظيم [سورة الواقعة]
وظل من يحموم: أي ظل من دخان جهنم شديد السواد، أعاذنا الله منها.
لا بارد ولا كريم: أي ليس بظل بارد بل هو حار جدا، ولا كريم المنظر.
الحنث العظيم: الشرك بالله والكفر.
أرأيت هذا العذاب المخيف ومقام الخزي وسوء العاقبة؟!
هي ستكون لأناس كفروا بالله: وكانوا قبل ذلك مترفين!
منعمين، عندهم من المال والولد والقصور والبيوت والسيارات الفارهة الشيء الكثير، ثم هذه منزلتهم في الآخرة!
اليوم تجد من كان في مثل هذا النعيم، ثم بين ليلة رضحاها يفلس ويخسر كل ما يملك ويصبح عليه تلال من الديون، كيف تظن حاله؟
فكيف لو كان هذا الخسران في الآخرة وإلى الأبد؛ بل وفوقه عذاب لا ينقطع!
غاية الإهانة والإذلال!
يا إخوة، ما أكثر ما ينبهنا ربنا سبحانه إلى هذا الأمر في القرآن، فهو كان من حجج الكفار على رد دعوة رسلهم: وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين. [سورة سبأ]
الترف ابتلاء عظيم، اختبار مخيف، يأخذ بمجامع القلب ويجذبه إلى الدنيا جذبا، ويجعله يغفل عن الآخرة.
تأمل معي هذه الآية أيضا: ويوم يعرض الذين كفروا على النار أَذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون [سورة الأحقاف]
روى الطبري رحمه الله أثرا في تفسير هذه عن عمر رضي الله عنه، ولكن لا أدري مدى صحته، وأذكر معناه:
أنه كان يمتنع عن كثير من المباحات، ويقول: لا أريد أن أُذهب نصيبي من الطيبات في حياتي الدنيا، ثم يتلو هذه الآية.
لا أقول لك تقشف وامتنع عما أحل الله لك من طيبات الرزق وحلاله، ولكن ليكن ذلك بقدره، واجعل سبب سعيك لكسب الرزق هو حفظ الدين والعرض، لا الرفاه والترف.
فوالله ما المسكين إلا الذي أذهب عمره ليحوز طيبات الدنيا وغفل عن الآخرة في سبيل ذلك!