لماذا استطاع فقهاء الشيعة بناء منظومة فقهية سياسية، بحيث لا فصل بينهما، ونتج عن ذلك دولة محددة المعالم، في حين عجز فقهاء السنة عن ذلك؟!
✍️ قلت:
لنتجاوز فكرة أن فقهاء الشيعة فعلوا ذلك، ولنتوقف عند الشق الثاني من الفكرة.
لا شك أن هناك خصوصا اليوم انفصالا حادا بين الفقهاء السنة والسياسة، وأقول الفقهاء وليس الفقه، لأن الفقه باعتباره نظرا في مصادر التشريع الإسلامي لا شك أنه فيما يتعلق بالمجتمع وعلاقة الحاكم والمحكوم وعلاقة الدولة الإسلامية بالعالم هو فقه سياسي بامتياز، فالاسلام نزل ليكون منهج حياة شامل ومتكامل للفرد والمجتمع والدولة إلى يوم القيامة.
انفصال الفقهاء عن السياسة حدث مبكرا في الأمة، لكنه كان عموما انفصال الفقيه الشخص وليس انفصال السياسة عن الشريعة، ثم وبحسب سنن الله سبحانه في حياة البشرية كان لابد أن يؤول هذا الانفصال إلى انفصال تام. ومع مرور القرون كلما خطى الانفصال خطوات، تغول الطغيان أكثر، ومع الطغيان يأتي الفساد والاضطرابات على كافة المستويات، ومع هذا ازداد تقوقع الفقهاء على أنفسهم وانفصالهم عن السياسة.
ثم بسبب كثرة القلاقل والاضطرابات التي حدثت أساسا بسبب الطغيان والفساد و الانفصال بين الفقه والسياسة، ترسخت فكرة (لا للخروج على الحاكم) بدعوى حفظ وحدة الأمة وعصمة دماء المسلمين. لكن الذي حدث هو أن الطغيان ما زال يتعاظم، والفصل بين الفقه والسياسة يتسع، فكان المآل أن الأمة تمزقت، ودماء المسلمين سالت شلالات، ثم في ترسخ الجهل والتخلف والخرافات في الأمة، وفي الإثر جاء الاحتلاlllل الأوروبي فأجهز على الأمة وزادها تفككا وتمزقا، ونهب وسرق واستنزف خيراتها، ووضع على مقاليد الحكم أشخاصا يعملون لصالح أجنداته لا لصالح الأمة فازداد الوضع قتامة ولا يزال، وخلال هذا كانت وتيرة انفصال الفقهاء عن السياسة تتسارع، حتى صرنا إلى واقع يمكن أن نقول عنه: الفقهاء اليوم يلعنون العلمانية المؤسسة على الفصل بين الدين والسياسة، لكنهم في الواقع العملي يتبنون العلمانية، فلا شأن لهم بالسياسة ولا كلام لهم في السياسة ولعن الله ساس يسوس سياسة.
إذن هذه الدروشة في جمهور عريضة من فقهاء السنة ليست وليدة اليوم بل لها جذور تاريخية. ولا ننسى البعد النفسي اليوم: تغول الطاغوت العلماني الذي بيده مقاليد السلطة، والخوف على مصدر الرزق فضلا عن التضييق وربما السجن. فكل هذا جعل الفقيه السني يؤثر الابتعاد عن المواجهة والاحتكاك بالسياسة ونقدها وتقويمها والحكم عليها من الناحية العقدية والفقهية، والله أعلم